في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٥٣

منذ البداية على حروفه الكاملة، بإتقان نطق الضاد الذي هو من أصعب الحروف، وتختصُّ به اللغة العَرَبِيَّة دون غيرها، ويتقنون أيضا القلقلة والغنَّة والتشديد والإدغام والمدود، وإلى غيرها من القواعد، فإنَّهم يأتون بها على أكمل وجه، وهم ذوو خمس أو ستِّ سنوات، ربَّما يتعجَّب أحدنا من هذه البراعة، ولكنَّهم في حقيقة الأمر نشأوا على ذلك، فمعلِّموهم أو آباؤهم الذين علَّموهم القرآن، لقَّنوهم إِيَّاهُ من أَوَّل وهلة بقواعد التجويد، فنشأُوا على تلك الْكَيفِيَّة، ولو حاولت تغليطهم فلن تفلح أبدًا، فنرجو من المُعَلِّمين أن يدرِّسوا القرآن بقواعد التجويد، ويعتنوا بها، فإن كانوا ملمِّين بها فليطبِّقوها؛ وإن كانوا غير ملمِّين بها فليدرسوها في حصص خَاصَّةٍ قليلة، لأنَّه ليس بعلم كبير ولا عسير، بل هو علم مختصر جدًّا، ربما يُستوعب في شهر أو شهرين ـ ولو كان هذا المُعَلِّم كبير السنِّ ـ حتَّى نُصحِّح للناشئة قراءتهم.

هذا كلُّه داخل في قوله J : « علِّموا»، فيشمل هذا اللفظ تحفيظه وتجويده ومعرفة معناه، وإن كان هذا الأخير ليس من السهل الإلمام به، وإنَّما على الأقلِّ عموم المعنى، فقد قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: «التفسير على أربعة أوجه: وجه لا يسع الناس جهله، ووجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه يعرفه العلماء فقط، والوجه الرابع لا يعلمه إلاَّ الله»(1).

فالوجه الأَوَّل الذي لا يسع الناس جهله هو: علم التوحيد وعلم الفرائض، أي الصلاة والصيام والزكاة والحجُّ، وعلم تقسيم المواريث، ـ وهذا الأخير فرض كفاية ـ، وعلم الحرام (هو اتِّقاء ما حرَّمه الله من المطاعم والمكاسب والأفعال وما إلى ذلك) فهذه الأصناف يجب على الناس أن يعلموها ولا يجهلوها.

وأمَّا الوجه الثاني: فهو ما تعرفه العرب من كلامها، وهو البشير والنذير، والقصَّة والمثل والموعظة، والوعد والوعيد، فهذه الأصناف تُعرف بمعرفة اللغة العَرَبِيَّة، لأنَّه ليس فيها ناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيَّد

(1) - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 01/ 7.

٥٣ / ١٨٠