في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٥٤وما إلى ذلك، وهو ما بيَّنه الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17)، أي ما كان للقصَّة والعبرة فهو ميسَّر يفهمه كلُّ من يحسن اللغة العَرَبِيَّة.
والوجه الثالث: هو الذي يعرفه العلماء فقط، وهو ما كان في القرآن من الأحكام، فليس كلُّ شخص يعلم هذه الأحكام، وإنَّما يعرفها العلماء فقط، لأنَّ فيها خاصٌّ وعامٌّ، ومطلق ومقيَّد، وناسخ ومنسوخ، وظاهر ومؤوَّل، ومحكم ومتشابه، ومجمل ومبيَّن، فهذه الأحكام لا يعرفها إلاَّ من حوى علوم التفسير وأصول الفقه، فعليه إذن أن يحفظ القرآن كلَّه، لأنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضا، وعليه أيضا أن يحفظ قسطا وافرا من الأحاديث، لأنَّ فيها بيان ما في القرآن، وعليه أن يحفظ أيضًا قواعد أصول التفسير وأصول الفقه، وأصول اللغة، حَتَّى يحسن بذلك استنباط الأحكام، فلا يفتي بغير علم أو يضلِّل الناس.
والوجه الرابع لا يعلمه إلاَّ الله: وهو ما يقول فيه العلماء: الله أعلم بمراده؛ مثل الحروف المقطَّعة من أوائل السور: ﴿أَلَمِّ﴾، ﴿أَلَمِّرَ﴾، ﴿أَلَمِّصَ﴾ … فلا يعلم أحد على وجه التحقيق معناها إلاَّ الله تعالى، غير أنَّ العلماء يقرِّبون المعنى فقط بقولهم مثلا: إنَّ هذه الحروف تبيِّن لِلْكُفَّارِ مدى إعجاز القرآن الكريم، حيث إنَّه لم ينزل إلاَّ باللغة التي يَتَكَلَّمُون بها، ففيها الألف وفيها اللام والميم وإلى غير ذلك، إلاَّ أَنَّكُم عجزتم عن الإتيان ولو بحرف مثله؛ لأنَّه من الله تعالى، وهو المعجزة الكبرى التي تخلد ما بقيت الدنيا. وقال قوم: إنَّ هذه الحروف جعلت للتنبيه من