في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٦١لأنَّ ما في القرآن نفسه يَدُلُّ على هذا لقوله تعالى: ﴿وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَالِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَالِكَ نَجْزِي مَنَ اَسْرَفَ وَلَمْ يُومِنم بِئَاياَتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه: 124 ـ 127)، فالإسراف يعني تضييع القرآن والعمل به، فعلى رأي هؤلاء أنَّ الإنسان ما دام يتأدَّب بأخلاق القرآن ويعمل بما فيه ويقف عند حدوده ولو أفلَتَ منه شيء فلا يحاسب على ذلك، بل يجزى بالعمل به، فإن ذكرت له آية فيقف عند حدودها ولا يتعدَّاها.
والبعض الآخر قال: إنَّه لا يكرِّره، أي لا يتعهَّده بالمراجعة ولو من الكتاب، فيقرأ كُلَّ يوم حزبًا أو حزبين أو أكثر، فيختم بذلك القرآن في مدَّة أسبوع أو أسبوعين، أو شهر، أو على الأكثر شهرين، بمعدَّل حزب واحد في اليوم، فيكون دائم التلاوة للقرآن، ولو لم يختمه، لمن تشغله أمور الدنيا.
فمن كان على هذا النحو كتب عند الله حافظا للقرآن ومعاهدًا عليه، حيث يكرِّره ويتلوه ويدرسه ويتدبَّره ﴿إِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تُبورَ﴾ (فاطر: 29)، فعلى الإنسان المسلم