في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٦٢أن لا ينسى القرآن بعدم تدبُّره، ويتعبَّد الله بتلاوته، ويكون حريصا أشدَّ الحرص على تطبيقه في أقواله وأفعاله وآدابه وأخلاقه، ولو لم يحفظه، فيعتبر بذلك من الحافظين المعاهدين للقرآن بأخلاقه وآدابه وأقواله وأفعاله، وإن طلب منه استظهار شيء منه امتنع لعدم حفظه، وإنَّما أقرَّ بالعمل به، فمثل هذا لا يعتبر ناسيًا للقرآن.
لقد جعلت هذه التأويلات حَتَّى يُفرَّج عن أنفسنا، ولا يُضيَّق عليها؛ لأنَّ تيسير الله عَزَّ وَجَلَّ بعيد عن تلك المشقَّة.
وأمَّا أن يجمع المسلم كُلِّ هذه الخصال بأن يحفظه ويدارسه ويعمل به، ويتأدَّب بآدابه فقد حاز كلَّ الخيرات، وهو ممَّا يقال فيه: الخروج من الخلاف، فلا ينطبق عليه قول من الأقوال بأنَّه نسي القرآن، فالواجب السلامة والحزم والاحتياط في كلِّ هذا.
كما أنَّ الحفظ يَرسَخ بكثرة المدارسة والتكرار، فإنَّ أصل بقاء الحفظ السليم يكون من اليوم الأوَّل للحفظ، فعندما يتقن المرء الحفظ من الوهلة الأولى عند عرضه على معلِّمه، فإنَّ له التأثير العظيم في رسوخ هذا القرآن المعجز، فيسهل عليه درسه بعد ذلك.
ثُمَّ يعطينا الله تعالى مثالا لمن حافظ على القرآن فلم يفلته، ومن لم يحافظ عليه فأفلته.
في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدريُّ عن رسول الله J : « مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» مثَّل الرسول J صاحب القرآن بمثل صاحب الإبل والجمال، فإن كان حافظا كلَّ سور القرآن يكون له 114 ناقة، حيث إنَّه يحشدها ويعقلها بعقال،