في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٦٣

حتَّى لا تهرب، فتمشي مشية بطيئة ريثما يصلِّي أو يفطر، فيكون بذلك يتعهَّدها بالتطلّع إليها، والتثبت في متانة عقالها، وكلُّ هذا يكون في وقت قصير قريب، فمثل هذا يضمن عدم ضياع إبله، فلا تنفلت منه.

وإن أطلقها، كأن يعقل إبلَه ثُمَّ يذهب إلى الحجِّ لمدَّة شهر أو يزيد مثلا، فأنَّى يجدها بعد رجوعه ولو كانت تسير سيرًا بطيئًا؟ ففي هذه المدَّة ستقطع الإبل شوطًا طويلا، وستتقطَّع تلك العقال بفعل الاحتكاك مع بعضها، أو إلى حجر أو شجر، فتتآكل حتَّى تبلى، ثُمَّ تنقطع وتذهب تلك الإبل ولا تبقى.

فهذا مثال بديع مطابق تماما لحافظ القرآن، بل وحتَّى المدَّة أيضًا، فربما تكون مدَّة تعهد الإبل مطابقة لمدَّة تعهُّد سور القرآن الكريم، ويجب أن يتعهَّد بالمراجعة والمدارسة كلَّ ما حفظ، سواء أكان القرآن كلُّه، أو ما تيسَّر منه، وعليه أن يدرسه من حافظته، أي بالغيب لا بالكراس أو الكتاب، مثل الجالس في مجلس الذكر، وَخَاصَّةً من كان حديثَ الحفظ للقرآن، ولا تزال كلمات كثيرة ربَّما يكون قد حفظها وقرأها على غير حقيقتها، إمَّا بتغيير في الحروف أوفي الأداء، غفلة منه أو جهلا لهذا الخطأ؛ لأنَّ أيَّ إنسان لا بدَّ له من عثرات في حفظ القرآن، فيتبيَّن هذه الأخطاء شيئا فشيئا عند مداومته على مجالس الذكر، فبهذا يصحِّح أخطاءه، ويثبِّت حفظه أيضًا. أمَّا مدارسة القرآن فقليلا ما يثبت الحفظ بها، ولكنَّ صاحبه يحظى بالأجر الكبير. وقد فضَّل بعض العلماء القراءة من المصحف؛ وقالوا: إِنَّ الأجر فيها أكثر من قراءته بالغيب؛ لأنَّ كُلَّ أعضاء القارئ تشتغل، فاليدان تحملان المصحف، والعينان تقرآن منه ـ وأعظم عبادات العين النظر إلى المصحف ـ واللسان يتلو القرآن، والأذنان تسمعانه، والرأس مطأطأة قليلا، فكلُّ هذه الجوارح مشتغلة، وغيرها أيضًا، فيجازى بِكُلِّ جارحة أجرها؛ وكلٌّ على حسب نيَّته.

٦٣ / ١٨٠