في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٦٤فمن قرأ من المصحف على نية التعبُّد بالجوارح فله أجره على ذلك، ومن قرأه عن ظهر الغيب في مجلس الذكر على نية تثبيت الحفظ فله نيته وأجره أيضًا، والمهمُّ في كلِّ هذا أنَّه يتعهَّد القرآن ولا ينساه.
وبالمثال يتَّضح الحال، فقد علمنا من هذا أنَّ من حفظ القرآن ثمَّ نسيه فله وعيد شديد؛ فلنخَفْ من هذا الوعيد الشديد، ولنتعهد القرآن بالمدراسة والمراجعة ولا ننساه أبدا، خُصُوصًا وَأَنَّهُ قد ورد حديث آخر في هذا المعنى، وهو قول الرسول J : « إنِّي اطَّلعت على ذنوب أمَّتي فلم أر ذنبا أعظم ممَّن أوتي آية من القرآن ثمَّ نسيها»(1)، ربَّما يكون هذا الاطِّلاَع ليلة الإسراء والمعراج، حيث شاهد فيها النبيُّ J آيات وحقائق، فهذا حديث مهمٌّ أيضا، يبيِّن لنا فيه الرسول J خطورة نسيان القرآن.
فبعد هذا كُلِّهِ إذا علمنا أنَّ صاحب الإبل المعقَّلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت، فكذلك علينا أن نتعهَّد القرآن بالمدراسة حتَّى لا نفلته، اعتمادا منَّا على الحفظ الأول، فإنْ جادَلَنَا أحد بقوله: إنِّي حفظته حفظا جَيِّدًا في المَرَّة الأولى، قلنا له: فكذلك اعقل إبلك شهرا ولا تتفقَّدها فإنَّها لا تفلت!! وَلَكِن هيهات أن تبقى في مكانها، إذ الواقع يثبت أنَّها
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - بلفظ: « … وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»، قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ»، كتاب فضائل القرآن عن رسول الله، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر، رقم 2916، 5/ 178. ورواه أبو داود في سننه عن أنس - رضي الله عنه -، كتاب الصلاة، باب في كنس المسجد، رقم 461، 1/ 126.