في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٦٥

سوف تبرح مكانها، فكذلك الحال بسور القرآن، فمهما يكن الحفظ الأَوَّل متقنًا فإن غفل عن تعهُّده ذهب واندثر.

فهذان الحديثان يحرِّضان الناس على حفظ القرآن والمحافظة عليه وعدم نسيانه، ومدارسته وتكراره في وقت قريب، لا يتجاوز الأسبوعين على الأكثر، وكذلك العمل به حَتَّى لا ينسى، وَذَلِكَ لأمرين:

- أَوَّلاً: حَتَّى ينجو من عذاب الله ومن وعيده الشديد الذي أوعد به الرسول J ناسي القرآن بالجذام. وقال بعض العلماء: المجذوم: هو مقطوع اليدين، إمَّا من أَوَّل مَرَّة، وإمَّا نهشهما بفيه، بعد ما أحسَّ بحسرة الندامة، مثل ما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ (الفرقان: 27)، فهذه حال لا تَدُلُّ على الخير، فلنحافظ على مدارسته وحفظه وفقهه والعمل به.

- ثانيا: حتَّى يستفيد من القرآن الكريم، فلا يمكن لعالم أن يستفيد منه فقها وعلما وفتوى وتفسيرا إلاَّ إذا حفظه واستحضره في ذهنه، لأنَّ القرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضا، فإذا أراد أن يستدلَّ بآية من الأحكام أو المواريث أو المعاملات، أو فقه الصلاة والصوم والعبادات، أومن القصص والأمثال والعبر، فعليه أن يستحضر الآيات التي أنزلت في ذلك الموضوع، فيستجمعها كلَّها حتَّى يُصدر الحكم؛ لأنَّ بعضها تذكر الحكم بالإجمال، والبعض منها بالتفصيل، وبعضها بإحكام، وأخرى بتقييد، وبعضها سابقة منسوخة، وأخرى لاحقة ناسخة، وفيها عامٌّ وخاصٌّ وصريح ومؤوَّل، يُذكر شيء في آية ولا يذكر في أخرى، فإذا استشهدَ بآية واحدة فقط فإنَّه لا يستنبط الحكم كاملا، ويكون المعنى ناقصًا، فحتَّى ولو لم يحفظها ولكنَّ يعلم بوجودها، وربَّما يحفظ أوَّلها،

٦٥ / ١٨٠