في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٧٢

هؤلاء الستَّة حفظوا القرآن كلَّه حفظا جَيِّدًا، وأمَّا باقي الصحابة ـ كما قال أنس بن مالك ـ فإنَّهم حفظوا السور المعدودات من القرآن الكريم، فمنهم من يحفظ نصف القرآن أو ربعه، ومنهم من يحفظ السورة والسُّورتين.

وَرُبَّمَا يتعجَّب أحدنا فيقول: لماذا حفظ القرآن من الصحابة سِتَّة فقط؟ الجواب على هذا بسيط: لأنَّ القرآن في ذلك الوقت لا يزال ينزل، ولم يكن مجموعًا في كتاب واحد، ولم يتمَّ جمع القرآن إلاَّ قبيل وفاة الرسول J بأيَّام، حيث نزل يوم الجمعة بعرفات من حجَّة الوداع قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، يقول الجمهور: إنَّ هذا هو آخر ما نزل من القرآن الكريم قبل وفاة الرسول J بثلاث وثمانين يوما، وقال بعض العلماء: إنَّ آخر ما نزل كان بعد حجَّة الوداع، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281)، قبل وفاة الرسول J بأيَّام قليلة.

وَعَلَيْهِ فالقرآن كان ينزل منجَّما في أوقات وأماكن مختلفة، والصحابة لم يكونوا في كُلِّ الأوقات مع النبيِّ J ، فَإِمَّا مثلاً أن تنزل على الرسول J آيات في إحدى الغزوات فيقرأها على من معه في تلك الغزوة، ومن كان في المدينة منهم من يسمع بها ومنهم من لا يسمع.

وإمَّا أن يبقى الرسول J في المدينة ويبعث إلى المعركة سرايا (وهي جمع سريَّة)، أو أن يبعث إلى بعض القبائل جيوشًا، فبطبيعة الحال إذا أنزلت آية بالمدينة بعد ذهاب السريَّة فإنَّهم لا يعلمون بما أنزل إلاَّ بعد رجوعهم منها، إن سألوا عمَّا أنزل، أو من يشتغل مثلاً في الحقول والبساتين البعيدة عن المدينة، أو فيهم من لا

يستطيع حفظ الكثير من الآيات، وحالات الصحابة تختلف حسب ظروفهم، وَرُبَّمَا لا يكون هؤلاء الستَّة ممَّن عرفوا بحفظ القرآن كلِّه فحسب، بل ربَّما يكون هنالك صحابة آخرون يحفظون القرآن كلَّه، غير أنَّهم مغمورون ولم يُعرَفوا بذلك، لأنَّه في ذلك الوقت لم تكن تُحيَى حفلات لحفَّاظ القرآن.

والدليل على حرص الصحابة على حفظ القرآن أنَّه في حروب الردَّة استشهد فيها سبعون من القرَّاء الحفَّاظ بعد عام واحد من وفاة النبيِّ J ، هذا ممَّن قد تُوُفِّيَ منهم، وأمَّا من بقي على قيد الحياة فهم بأعداد وفيرة، إذ أقبلوا على حفظ القرآن كلِّه بمجرَّد نهاية نزول الوحي، مع ما كانوا يحفظونه ممَّا نزِّل منجَّما من قبل، فلم يكونوا إذن مقصِّرين ولا زاهدين في حفظه، وقد قال الرسول J : « أناجيل أُمَّتِي صدورها»(1)، أي إِنَّ الكتب المنزَّلة الأخرى كانت أممها تكتبها في الكتب، وأمَّا أُمَّة النبيِّ J فكانت أناجيلها صدورها، إذ تكتب القرآن حفظا في صدورها بدلا من المصاحف، هكذا أخبر النبيُّ J عن أمَّته بأنَّها تحفظ القرآن في الصدور بدلاً من المصاحف.

ويبقى التذكير لمن يحفظ القرآن بأن يراجعه، كما تَقَدَّمَ لنا في درس أمس، حيث يدرسه وَيُصَلِّي به حَتَّى لا ينساه، ومن ينساه فله أوزار كثيرة على ذلك، فأوائلنا سَنُّوا لنا مجالس القرآن أو الذكر في أوقات محدَّدة بين المغرب والعشاء وقبل الفجر وبعده مثلا، وفي مناسبات وأعياد مُتَعَدِّدَة، وفي رمضان كذلك، إذ القرآن يتلى خلاله في كلِّ وقت دون توقُّف، ما عدا أوقات الصلوات المفروضة أو الوعظ

والإرشاد، وفي نفس الوقت يُقرأ القرآن كذلك بكيفيَّات مختلفة، فنقرأ منه في الصلاة، ونستشهد به ونفسِّر آياته في الوعظ، فلهذه المجالس مزيَّة كبرى للحفَّاظ على القرآن الكريم، فلو داوم الإنسان على مراجعة قرآنه بعد استظهاره لحافظ عليه، وحفظه من النسيان. وفي المجالس يقرأ القرآن

(1) - أورده القرطبي في الجامع، بقوله: « … وجعلت صدور أمَّتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أُمَّة». 16/ 260. وأورده ابن كثير: تفسير القرآن، 4/ 526.

٧٢ / ١٨٠