في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٧٣بالغيب دون المصاحف، وهذا ما يجعل المرء محافظا على قرآنه، بخلاف من يعتمد على المراجعة من المصحف ـ رغم ما فيه من أجر وثواب ـ لأنَّ فكره يكون منصبًّا في ذلك الوقت على ذلك المصحف، وأمَّا من يعتمد على حفظه فيكون مستجمعًا فكره للقراءة الجيِّدة المركزة لِكُلِّ آية يمرُّ بها ولو لم يقرأها، لأنَّ القارئ معرَّض لبلع ريقه أو أخذ نفَسه أو السعال أو شرود الفكر، غير أنَّه يسمعها ممَّن حوله في المجلس، فلو لم تكن هذه المجالس، لَمَا أمكن لنا مراجعة القرآن في بيوتنا، لأنَّ أمور الدنيا قد تشغلنا عن ذلك، ولا أظنُّ أنَّه يوجد من يدارس القرآن بأحزاب وفيرة في البيت وباستمرار إلاَّ ما ندر.
فهذه المجالس توجد في مغرب العالم الإسلاميِّ من طرابلس إلى تونس مرورا بالجزائر إلى المغرب، حيث إنَّهم مشهورون بالقراءة الجماعيَّة للقرآن الكريم، وقديمًا قيل: «نزل القرآن في الحجاز، وكتبه الأتراك، وجوَّده المصريُّون، وحفظه المغاربة»، فكان نزول القرآن في الحجاز في مكَّة والمدينة، وبرع في كتابته الأتراك بخطوط جميلة منمَّقة، كما كتب بها مصحف عثمان - رضي الله عنه -. كما أتقن تجويده المصريُّون منذ القديم إلى يومنا هذا، ففي القاهرة مثلا نجد بها خمسة آلاف مسجد، وفي كلِّ مسجد يؤمُّه قارئ أو قرَّاء يتلون القرآن بتجويد رائع قبل صلاة الجمعة بساعة أو ساعتين، فلو مشيت من أَوَّل المدينة إلى نهايتها ـ في حوالي 40 كلم ـ فإنَّ القرآن يملأ أذنيك دون انقطاع.