في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٧٥وقد برز المغاربة في حفظه، فكانوا مشهورين بالحفظ والتحفيظ في مدارس ومجالس، كهذه المجالس التي لا يوجد غيرها في بلاد العالم، فيتعجَّب القادم إليها حين يستمع إلى القرآن وهو يتلى جماعة، وبنغمة واحدة، وصوت رصين، وكلُّه حرف واحد لا يسبق الواحد منهم الآخر في التلاوة، ومن حافظتهم أيضًا، فالمشارقة يتعجَّبون ويُعجبون بهذه المجالس ويتمنَّون لو أنَّ لهم نفس الأمر، فالمزيَّة والفضل الأكبر لهذه المجالس في المحافظة على القرآن الكريم.
فمن جلس في هذه المجالس وتَلاَ القرآن بنيَّة خالصة فقد فاز بهذه المزيَّة العظمى، ومن كان خارج المجلس فله فرصتان:
- أوَّلهما: أن يجلس في المحاضر(1)؛ لأنَّها هي الأخرى مخصَّصة لقراءة القرآن جماعة في مجلس واحد، فلا يقطع المرء صلته بهذه المحاضر؛ حَتَّى يفوز هو الآخر بهذه المزيَّة، وَرُبَّمَا يستطيع ختم القرآن وحفظه كاملا من خلال هذه المجالس فحسب، ولا يهمُّ العمر الذي يحفظه فيه.
- ثانيهما: أن يجلس خارج المجلس يسمع الآيات الكريمة، ويدارسها مع المجلس، فيكون له من الأجر ما هو عند القارئين، فهو بدوره يحافظ على القرآن بتكرار ما حفظ منه وإن كان يسيرا، ولكن عليه ألاَّ يجهر في تلاوته حَتَّى يكون الصوت موحَّدا متَّزنا، فمن كان خارج المجلس فعليه بالاستماع دون القراءة الجهوريَّة، قال تعالى: {وإِذَا قُرِئَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا لَعَلَكُمْ
(1) - المحضرة: عبارة عن مجالس لقراءة القرآن لغير المستظهرين له، ويخصَّص لها مكان بجوار المسجد، وهو ما يعرف بالكُتَّاب.