في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٨١- أَوَّلاً: لأنَّها سورة التوحيد والاعتراف بِأَنَّ الله هو الخالق الرازق المالك لأمر العباد في الدنيا والآخرة، واحد أحد لا شريك له(1).
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: أي الذي يُقصد ويُصمد إليه عند الحاجة، فَكُلُّ شيء عداه يحتاج إليه، وهو لا يحتاج إلى أحد من خلقه.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾:لم يُنجب أحدا، ولم ينجبه أحد، مثلما يقول النصارى، إذ يجعلون له تعالى ولدا، أو يجعلون له ثالوثا، أي: الله والابن وروح القدس، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، فكما أَنَّهُ تعالى ليس من شأنه أن يلد، فكذلك ليس من شأنه أن يولد، ردًّا على الذين يقولون بالأبوَّة والبنوَّة من اليهود والنصارى وسائر الملل الأخرى مِمَّن يعتقدون بهذا الشرك.
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ، كُفُؤًا اَحَدٌ﴾: أي ليس له شريك ولا شبيه ولا مثيل، والكفء هو المساوي له في القُوَّة والصورة والعلم والدرجة، حاشاه تعالى أن يكون المخلوق كفءًا للخالق، فما أبعد هذا عن ذاك، هو الخالق وما سواه مخلوق؛ وأنَّى للمخلوق أن يشبه أو يماثل بل أن يقارب الخالق، فالله لا يوصف بصفات المخلوقين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، والمخلوقون لا يوصفون بصفات الله، ولا تطلق عليهم صفات الخالق تعالى. وإذا وجدت بعض الصفات التي تطلق الخالق والمخلوق، كالرؤوف والرحيم، والتي وُصف بها الله تعالى، وكذلك وُصف بها الرسول J في قوله تعالى: ﴿بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:128)، وغيرها من الصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق، فَإِنَّ وصفَ المخلوق بها مجاز فقط، لا بقاء له، وهو مقتبس من
صفة الله تعالى، وأمَّا وصف الخالق بهذه الصفات فهي حقيقيَّة، مطابقة للموصوف ﴿وَلِلَّهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: 180).
فإذا وصفنا الخالق والمخلوق بالكرم مثلا فشتَّان بين كرم الخالق وكرم المخلوق، إذ لا تَصِحُّ المساواة بينهما، فإنْ أكرم المخلوقُ شخصا فقد أكرمه من مالِ وملكِ المالك الخالق تعالى، وهذا المخلوق ينتظر مِن بعدِ
(1) - انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 4/ 10.