في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٨٢هذا الكرم عوضا؛ إمَّا في الدنيا أو في الآخرة، وأمَّا الخالق تعالى فيتكرَّم على عباده بالكرم المطلق من ملكه العظيم، ولا يرجو من بعده عوضًا، ولو شكره العباد جميعا فلن ينفعه ذلك ولن يضرَّه أبدا، لقوله تَعَالىَ: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: 7)، أي لا يرضى ذلك الشكر لنفسه، وإنَّما يرضاه لكم، وإن تكفروه فهو غنيٌّ عنكم إذ لا يَضُرُّه كفركم، وإنَّما لا يرضاه لكم، وَحَتَّى لا يُلقيكم بذنوبكم في قعر جَهَنَّم وبئس المصير.
فلذلك حذَّرنا وأنذرنا من عواقب الكفر حَتَّى لا نكون في زمرة الكُفَّار، وإن شكرناه فيرضاه لنا لعاقبتنا الحسنة وجزائنا السعيد، مثلما هو في آية أخرى إذ يقول تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40). فهذا معنى سورة الإخلاص إجمالا، وهي ردٌّ على جميع طوائف المشركين:
- ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾: ردٌّ على الذين ينسبون مظاهر الكون إلى الطبيعة، وينكرون الأُلُوهِيَّة بالمرَّة.
- ﴿أَحَدٌ﴾: ردٌّ على الذين يثنُّون ويثلِّثون، ويجعلون للخير إلها وللشرِّ إلها، وللظلِّ إلها وللنور إلها، إلى غيرها من الظواهر الكونيَّة، مثلما هو الشأن بآلهة اليونانيِّين.