في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٨٧

فبقدر ما في هذه السورة من عظيم أجر وثواب وفضل وتبشير، فإنَّها لا تفتح أمام الطامعين أيَّ باب من الأماني الكاذبة، قال الحسن البصريُّ: «إنَّ قومًا ما ألهتهم الأماني حتَّى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إنِّي أُحسن الظنَّ بربِّي، وكذب، ولو أحسن الظنَّ لأحسن العمل»(1)، فهؤلاء القوم الذين ألهتهم أماني المغفرة، حتَّى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، إمَّا لأنَّهم لم يعملوا أيَّ حسنة، أو لأنَّهم أبطلوها بسيِّئاتهم؛ مثل الغيبة والنميمة والظلم والكبر، وما إلى ذلك من الكبائر، فقالوا: إنَّ لهم ظنًّا حسنا بالله تعالى، وتمسَّكوا بهذا القول، فأجيبوا: «وكذبوا، لو أحسنوا الظنَّ لأحسنوا العمل»، فإنَّهم لو أحسنوا الظنَّ بالله لأطاعوه، وعملوا بأوامره، وانتهوا عن نواهيه، فأيُّ صديق لك مثلاً لو أحسنت الظنَّ به لأطعته في كلِّ ما يأمرك به، ولو لم تعرف مغزى ذلك الأمر والعمل، وإن يسألك إنسان لقلت: أحسنت الظنَّ به، فأنا أعمل بما يقوله، لأنَّه صديق لي مجرِّب أجد الفائدة والصواب في كلامه، هذا بين الناس فكيف بالله عَزَّ وَجَلَّ الذي نثق بحبِّه ورحمته وعلمه، فهؤلاء الناس يتمنَّون على الله المغفرة، وهم مصرُّون على الذنوب، فأنَّى يغفر لهم ما لم يتوبوا!.

فهذه السورة لها شأن كبير من الفضل والثواب لمن قرأها، فإمَّا أن يحفظ اللهُ قارئها، أو يوفِّقه إلى التوبة إذا ما وقع في الذنوب ببركة هذه السورة العظيمة، فعلينا بقراءتها وإخلاص النيَّة فيها حتى نبشَّر بجنَّة الخلد إن شاء الله، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين.

(1) - انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 15/ 353. عبد الرؤوف المناوي: فيض القدير، 5/ 67.

٨٦ / ١٨٠