في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٨٩

الصحابة، إذ أحرموا من ذي الحليفة، وساقوا الهدي معهم، فلمَّا سمعت قريش بهم عزمت على منعهم من دخول مَكَّة، حتَّى يحافظوا على سمعتهم وقوَّتهم وهيبتهم، فصدُّوهم عن المسجد الحرام ﴿هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (الفتح: 25)، فصدُّوهم والهدي لم يبلغ محلَّه في منى أوفي مَكَّة، فلمَّا سمع الرسول J بخروج قريش لصدِّهم، غيَّر طريقه من جهة الشمال لمكَّة إلى جهة الغرب منها ـ الطريق الحالي بين جدَّة ومكَّة ـ فلمَّا كانوا تحت شجرة حدباء استظلُّوا تحتها، لذلك سمِّيت تلك المنطقة بالحديبيَّة، نسبة إلى هذه الشجرة الحدباء، ولأنَّها ذكرت في القرآن الكريم في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: 18)، غير أنَّ اسمه الحاضر هو"الشميسي"، فعند ذهابك من مكَّة إلى المدينة وقبل الوصول إلى الكعبة بـ 25 كلم تمرُّ بمنطقة عمرانيَّة محروسة، بها مسجد يُسَمَّى: "مسجد الرضوان"، ومنه تفترق إلى طريقين؛ أحدهما يؤدِّي إلى الحرم القريب منه، والآخر يؤدِّي إلى الطائف من غير الحرم.

وقد خيَّم الرسول J في ذلك المكان، بعد أن منعتهم قريش من دخول مَكَّة، وذلك بعد محاولات ومفاوضات معها، ورغم أنَّ الرسول J كان معه أربعمائة وألف (1400) صحابيٍّ، إلاَّ أنَّه لم يستعمل القُوَّة مع قريش، رغم ما وجده من استعداد من أصحابه للقتال، حين طلبوا من الرسول J دخول مَكَّة سلما أو حربًا، وعلى رأسهم عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -، وقالوا: إِنَّهُم قصدوا العمرة لا الجهاد، فإن منعوا فسيجاهدون، وإن كان بسلاح خفيف (سلاح المسافر)، وقد عارض عمرُ كلَّ معاهدة أو مهادنة مع قريش، واعتبر بنود صلح الحديبيَّة ضعفًا من المسلمين، حين أعطيَ لقريش من الحقوق أكثر ممَّا أعطي للمسلمين، وقال إنَّه لا

٨٨ / ١٨٠