في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٩٢ينفي الكير خبث الحديد»(1)، فمثل هذا الصنف من المنافقين لا حاجة للمدينة إليهم، إلاَّ أنَّ الفارَّ من مكَّة إلى المدينة يصعب ردُّه إلى أوليائه المشركين.
وفي هذا الموقف المشحون من بنود صلح الحديبيَّة جاء أبو جندل(2) (ولد سهيل بن عمرو) الذي كان مسلمًا مستضعفًا في مَكَّة، حيث جاء يجرُّ السلاسل والأغلال، إلاَّ أنَّ النبيَّ J ردَّه إلى أبيه إنفاذا للمصالحة التي كانت بينهم، فقال له النبيُّ J : « اصبر يا أبا جندل حتَّى يجعل الله لك سبيلاً»(3).
فسرعان ما جاء الفتح والفرج، فبعد سنتين فتحت مَكَّة، وصارت تحت إمرة النبيِّ J ، وأصبح الدين كلُّه لله، بل وصار صناديد قريش من الكُفَّار يدخلون في دين الله أفواجا.
- من شاء أن يدخل في عقد محمَّد فله ذلك، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش فله ذلك، وكلُّ من يدخل في هذين العقدين تحمَّل بنود المعاهدة كلِّها، فدخلت خزاعة في عقد الرسول J ، ودخلت كنانة في عقد قريش، وهما قريبتان من مَكَّة.
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي الخبث، رقم 1784، 2/ 665. ورواه مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بلفظ: « … ، أَلاَ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي شرارها، رقم 2451، 1381، 2/ 1005.
(2) - هو ابن سهيل بن عمرو، قيل: اسمه عبد الله، استشهد باليمامة، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، قاله ابن إسحاق وأبو معشر وغيرهم، انظر: ابن حجر، الإصابة، 7/ 69.
(3) - نفس الحديث السابق، رواه أحمد بلفظ: «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله عَزَّ وَجَلَّ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا»، 4/ 325.