في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٩٣وهكذا تَمَّت المعاهدة، وختمها النبيُّ J بخاتمه الخاصِّ، وذبح الصحابة هديهم هنالك؛ ولكنْ بعد تثاقل عن امتثال أمر النبيِّ J حين أمرهم أَوَّل الأمر، فلم يفعل منهم أحد، وَكَأَنَّهُم فهموا أنَّ الأمر للاختيار، وتملَّكهم الطمع في دخول مَكَّة، فتباطؤوا ولم ينفِّذوا هذا الأمر، فدخل الرسول J مخيَّمه الذي فيه إحدى زوجاته وهي أمُّ سلمة رضي الله عنها، دخله وهو غاضب من أصحابه، وعلامات ذلك بادية على وجهه، فعرفت أمُّ سلمة ذلك من تلك العلامات، فقالت له: «من أغضبك يا رسول الله أغضبه الله، فقال J : مالي آمر بالأمر فلا يطاع! هلك القوم» بسبب عصيانهم لرسولهم، فلربَّما ينزل الله عليهم عذابا من عنده، قالت أمُّ سلمة: «وبم أمرتهم؟» قال J : « أمرتهم أن ينحروا هديهم، قالت: وهل نحرت أنت يا رسول الله هديك؟ قال: لا بعد، فقالت: اذهب وانحر؛ فإن رأوك نحرت فعلوا»(1)، أو كما قالت، فوجد النبيُّ J أنَّ رأي أمِّ سلمة نِعم الرأي الصائب، وعندها خرج مباشرة وبدأ في نحر هديه، فسارع الصحابة للنحر دون أن يعيد لهم الأمر، فكانوا يتزاحمون على نحر هديهم بعد أن علموا أنَّ الأمر جِدٌّ وليس
(1) - نفس الحديث السابق عن وقعة الحديبيَّة، رواه البخاريُّ بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ J لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا … »، ورواه أحمد بنفس اللفظ أيضا.