في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٩٤بالهزل، وأن ليس فيه مهلة أو طمع في دخول مَكَّة، فكانت نجاة الأُمَّة بسبب هذه الإشارة المباركة من السَّيِّدة أمِّ سلمة رضي الله عنها.
ثُمَّ بعد أن نحروا وأكلوا وتصدَّقوا، رجعوا من هذا الموضع من طريق المدينة، وكان عمر بن الخطَّاب يسير ويتمتم رافضا هذا الصلح مع من معه من الصحابة ـ ومنهم أبوبكر الصدِّيق - رضي الله عنه - ـ فقال عمر: «كيف يا أبا بكر أنعطي بأيدينا ونحن بقوَّتنا وسلاحنا ولا نطالب بحقِّنا، أولم يقل الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (الفتح: 27)، أولم يَعِدْنا ربُّنا بدخول المسجد الحرام؟» قال أبوبكر - رضي الله عنه -: «أوَ قال لك العام؟ قال: لا، قال: ويحك يا عمر، إنَّه رسول الله، استمسك بغرزه»(1). أي إنَّ الرسول J يقرِّر هذا الأمر بإذن من الله تعالى وليس باجتهاده، فخضع عمر بن الخطَّاب واطمأنَّ إلى حجَّة أبي بكر.
وَلَمَّا كان في الطريق اقترب من النبيِّ J ، وبعد السلام سأله عن شيء لم يرد نصُّه، فربَّما يتعلَّق بالعلم أو القرآن أو ما إلى ذلك من أمور الدين، فلم يجبه، وأعاد الكرَّة ثلاثا فكان الأمر نفسه، فتقدَّم براحلته إلى مقدَّم القافلة حتَّى لا يكلِّمه أحد، وهو في خوف شديد من أن ينزل فيه قرآن يتلى، فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! نَزَّرْتَ رَسُولَ اللَّهِ J ثَلاَثًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يُحِبيبُكَ»، أي: يا ليت كان فَقْدُك من قبل يا عمر، أتسأل رسول الله ثلاثا وتلحُّ عليه ولا يجيبك، لأنَّ لفظ "نزرت" بمعنى ألححت. قال عمر: «فَمَا مَشَيْتُ إِذْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ» أي: لم يسر مسافة طويلة حتَّى سمع صوت صارخ ينادي: يا عمر، يا عمر، أقبل، فإذا
(1) - نفس الحديث السابق عن وقعة الحديبيَّة.