في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٩٥

بالنبيِّ J يدعوه ـ فإمَّا أن يكون هو المنادي، وإمَّا أن يكون شخصا آخر أمره الرسول J بنداء عمر ـ فذهب إليه مسرعا، فوجد وجه النبيِّ J متهلِّلا مبتسمًا فرِحًا فرَحًا شديدا كَأَنَّهُ البدر ليلة التمام، فقال له J : « لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، أي: أفضل من الدنيا وما فيها، لأنَّ الشمس تشرق على الأرض وعلى القمر وعلى التوابع كُلِّهَا، حتَّى يبيِّن لعمر أنَّه كان وقت سؤاله مشغولا بتلقِّي الوحي من الروح الأمين، ولا يمكن للرسول J أن يجيب أحدا أو يحاوره وقت تلقِّي الوحي، وإن كان يسمع إلى ذلك السائل، ودليل هذا أنَّه بعد فراغه من تلقِّي الوحي مباشرة، نادى عمر حتَّى ينزع عن قلبه ما يمكن أن يكون قد وقع فيه من ظنون حول عدم إجابته له J ، وكذلك حتَّى ينزع من قلبه الهمَّ والغمَّ ممَّا لاقاه منه J ، ويبيِّن له أنَّه ليس متغيِّرا ولا غاضبا عليه، بل كان منشغلا بتلقِّي الوحي، لم يصارحه بسبب عدم إجابته لسؤاله، بل تركه ليفهمه ضمنيًّا من خلال كلامه J ، وقول الرسول J لعمر: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، لأنَّه بُشِّر فيها ببشارات كثيرة وعظيمة، وهي:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (الفتح: 1 ـ 3)، خمس بشارات بشَّر بها الله تعالى نبيَّه الكريم في هذه الآيات الكريمة.

- سَمَّى الله تعالى هذا الصلح فتحا مبينا، حَتَّى تعترف قريش بوجود المسلمين معهم، وَأَنَّهُم أُمَّة تكتب معهم المعاهدات والاتِّفاقات، وبالمصطلح العصريِّ يُسَمَّى: الاعتراف بالكيان السياسي، بعدما كانت قريش تعتبر المهاجرين صابئين، شقُّوا عصا الطاعة حين هربوا إلى المدينة، فكانوا مطاردين ملاحقين للنيل منهم.

٩٤ / ١٨٠