في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٩٦- نصَّ هذا الصلحُ على أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين، فكانت فرصة سانحة لنشر الإسلام والتقاء المسلمين، بعد أن كان محظورا عليهم من قبل، إذ كان المشركون لا يصلهم من الإسلام إلاَّ ما يُقَصُّ عليهم، وبعد هذا الصلح صاروا يخالطونهم، ففهموا حقيقة الإسلام والقرآن، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ففي مدَّة سنتين دخل في الإسلام عدد كبير، يفوق ما دخل في الإسلام قبل الصلح، وذلك ما بين السنة السادسة للهجرة (صلح الحديبية) والسنة الثامنة للهجرة (فتح مَكَّة)، أي دخل الإسلام في مُدَّة سنتين أكثر مِمَّا دخل فيه مُدَّة تسع سنين، وقد أسلم في هذه الفترة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الأبطال.
قيل للرسول J : كيف تسمِّي صلح الحديبيَّة فتحا وقد أُغلقت علينا كلُّ الأبواب؟ فقال: «بل هو أعظم الفتوح؛ قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا»(1)، أي إِنَّ المشركين رضوا لأنفسهم أن يدفعوكم عن مَكَّة بأيديهم، بعدما كانوا يردُّونكم بالسلاح، ويأتوكم إلى المدينة للقتال، ويسألونكم القضيَّة، بمعنى أنَّهم أذنوا لكم في الرجوع هذا العام، وضمنوا لكم دخول مَكَّة في العام القابل، ويرغبون إليكم في الأمان، أي: إِنَّهُم صاروا هم الذين يبحثون عن الأمان لكم ولأنفسهم، أليس هذا بالفتح العظيم؟
وكذلك أنعم الله عليهم بغنائم عظيمة من خيبر، حيث كتبت غنائمها الكثيرة لأصحاب صلح الحديبيَّة خاصَّة من دون الصحابة الآخرين في ذلك العام، قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُومِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (الفتح: 20).
(1) - انظر: محمد أبادي: عون المعبود، 7/ 290.