في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٩٧وكان الفتح عظيما أيضا للنبيِّ J حين بُشِّر بمغفرة ما تَقَدَّمَ من ذنبه وما تأخَّر، فبقدر ما يكون غفران ما تَقَدَّمَ من الذنوب بشارة، فغفران ما سيأتي أعظم بشارة من ذي قبل. وَكَذَلِكَ إتمام نعمته تعالى عليه، وهدايته صراطا مستقيما إلى جَنَّات الخلد المقيم، وإذا هدى الله تعالى نبيَّنا فقد هدانا من بعده أيضا، وينصره الله نصرا عزيزا، أي: كبيرا.
قيل: إنَّ بعض الصحابة قالوا: هذا لك يا رسول الله، فما لنا نحن أيضا؟ فأنزل الله قوله: ﴿هُو الذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُومِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(1) (الفتح: 4)، وقال في ختام السورة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ ذَالِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 29)، فَكُلُّ هذا مدح للنبيِّ J وأصحابه، فالسورة إذن عظيمة، فيها بشارات كثيرة، ومدح للنبيِّ J ولأصحابه المؤمنين الصادقين حَتَّى تقوم الساعة.
أعطانا الله من خير هذه السورة وبشاراتها، وجعلنا من أهلها، آمين، والحمد لله رَبِّ العالمين.
(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عن أنس بن مالك، بلفظ قريب، وقال فيه: «حديث حسن صحيح»، كتاب التفسير، باب سورة الفتح، رقم 3263، 5/ 385. ورواه أحمد في مسنده عن أنس وعكرمة، كتاب باقي مسند المكثرين، باب مسند أنس بن مالك، رقم 13269، 3/ 215.