في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٠٠الولادة ـ ما لم تر الطهر ـ فإنَّها نافس. ومنه فالحائض والنفساء لا يجوز لهنَّ الصيام حتَّى يطهرن، وحكمهنَّ غير حكم الجنابة، وإن اغتسلت من حيضها أو نفاسها قبل طهرها سبع غسلات، فلن يجديها ذلك نفعا، لأنَّ أيَّام حيضها أو نفاسها لا تزال مستمرَّة ما دامت لم تطهر أو تنتهي أيَّامها؛ وكذلك تمنع ـ كما ورد في الحديث ـ من قراءة القرآن ومسِّ المصحف، وتمنع أيضا من دخول المساجد، وفيها أحكام أخرى أيضا خَاصَّة بالزوج، مثل منعه من مباشرتها في هذه الأيَّام لأنَّها أذى، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُو أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222)، فهذا الأذى إمَّا للزوجين وإمَّا للولد الذي يولد من خلال المباشرة وقت المحيض قبل انتهاء دمه، فقد يولد الولد مشوّها أو مجذوما.
وكذلك يمنع الزوج من طلاق زوجته في تلك الفترة، فهذا طلاق بدعة وهو غير جائز.
وقد وقع هذا في زمن الرسول J قبل أن يعرف الصحابة أحكام الطلاق، حين طلَّق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما زوجته وهي حائض، فشكَّ عمر بن الخطَّاب في هذه المسألة، فذهب يسأل الرسول J في ابنه المطلِّق، فقال له النبيُّ J : « مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»(1)، فقد أمر الرسول J عمر بن الخطَّاب أن يأمر ابنه بإمساك
زوجته حتَّى تستكمل ثلاث طهارات، وسبب عدم طلاقها في الطهر الأَوَّل هو التثبُّت من براءة الرحم، فربَّما تطول مدَّة الإخصاب فيثبت عدمه بالحيض الثاني كاملا، والحكمة الأخرى التي يريدها الرسول J من عدم التطليق، أنَّ الله تعالى قد يوثِّق بينهما، ويُنزل المودَّة والوئام، ويخزي
(1) - رواه الشيخان عن عمر. البخاري: كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾، رقم 4954، 5/ 2011. مسلم: كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها … رقم 1471، 2/ 1093.