في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٩ووكيع: هو قاضٍ معروف، شكا إليه تلميذه أنَّه لا يحفظ ما كتب وما سمع، ووكيع هذا هو طبيب الأرواح يعلم سرَّ القلوب، حيث أرشده الله أنَّ هذا الذي يقرأ كثيرًا ولكنه لا يحفظ لا بد وأنَّ فيه سرًّا من الأسرار، فقال: فأرشَدَني إلى ترك المعاصي، أي اتق الله واستقم يفتح الله عليك كل أبواب
علمه وحكمته، ولعله قد تفقَّه الآية الكريمة ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾، فوجد أنَّ الآية تدل على هذا، ثم زاد قائلاً: واعلم بأنّ العلم نورٌ، ونور الله لا يعطى لعاصي، أي اعلم بأن علم الدين هو نور الله تعالى والله لا يعطي نوره لعاصي، فالله يعطي في الدنيا من الخيرات للمطيع والعاصي، وأمَّا نوره وتوفيقه فلا يعطيه إلا للمطيعين فقط، «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الإيمان»(1) والإيمان والفقه في الدين يدلاَّن على معنى واحد.
وقد زاد بعض العلماء قائلين: «العلم أَعطِه كلَّك يُعطيك بعضه»(2)، أعطه كلَّ وقتك من ليل أو نهار، من نوم أو يقظة، بل وأعطه جميع تفكيرك علَّه يعطيك بعضًا منه، لأنَّ العلم لا يحصل كله وذلك لله وحده، فالعلم إذن إذا أعطيته كلّك أعطاك بعضه، وكنتَ به من السعداء في الدنيا والآخرة، وأمَّا إذا لم تعطه أنت كلّك وإنما أعطيته بعضك فلربما قد لا يعطيك شيئاً من ذلك.
إذن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ليس مجرد
(1) ينظر: المستدرك على الصحيحين،1/ 88. وكذا الهيثمي، حيث ذكر بأن الطبراني رواه موقوفا ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد، 10/ 90.
(2) ينظر: د. محمد صالح ناصر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، ص:32، 49. وانظر: الجيطالي: بلفظ: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك .. »، قناطر الخيرات، 1/ 134.