في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٨

ثم قال وأنصت إليهم بأذنيكَ أي بأذني الرأس وأذن القلب، فأذن الرأس تسمع وأذن القلب حاضرة معه، فكثير من الناس حاضر بجسده ولكنه غائب بقلبه ﴿كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمُّم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:171) ﴿اِنَّ فِي ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ اَوَ اَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)، إذن لا بد من الإنصات بالأذنين حتى لا يهيم القلب في التدبر فيما لا يعني، أو في اللهو، فإنَّ القلب يحيى بنور العلم، لقوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: 122)؛ أي: ميتًا بالجهل، فأحييناه بنور العلم، فيحيى بنور العلم كما تحيى الأرض بمطر السماء، حيث تكون جافة قاحلة فينزل عليها المطر، فتهتز وتربو وتُنبت من كل زوج بهيج، وكذلك الشيء نفسه يقع للقلب مع العلم.

إذن فعلى الإنسان أن يتَّقي الله تعالى ويجتهد ويحضر مجالس العلم والفقه

بأذنيه وقلبه، فيفيض الله تعالى عليه من بركات ذلك العلم، فحضورك أيّها الطالب وانتباهك وسؤالك إنَّما هي أسباب أنت تأتيها، وأمَّا العلمُ فيعطيه الله لمن يشاء من عباده، ويجعله في قلوب عباده المتقين، لقوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾، هذا هو العلم المكسوب الذي نكتسبه بالدَّأب على الدرس والمطالعة والحرص والنشاط، والتقوى هي السر في ذلك كله من قبل ومن بعد، فإن لم تكن التقوى فلا ينفع ذلك العلم.

ودائمًا نردد البيتين اللذين اشتكى فيهما طالب إلى معلمه سوء حفظه، كالمطر ينزل على الصفا ينزلق إلى يمين وشمال ولا يدخل فيه قال:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظِي وأخبرني بأنّ العلم نورٌ … فأرشدني إلى ترك المعاصي

ونورُ الله لا يُهدى لعاصي(1)

(1) ينظر: ديوان الإمام الشافعي، ص18.

٧٨ / ٢٠٨