في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

هذا حديث آخر رواه البغوي في شرح السنَّة من حديث سلمان وأبي القاسم التيمي من حديث أنس «إظلالُ التاجرِ الصدوقِ»(1)،كذلك هذه خصلة رابعة بعد الخصال السبعة التي ذُكرت في الحديث المروي عن النبي ح وكلامه الشريف، والتاجر الصدوق هو التاجر الذي يصدق في بيعه وشرائه، لا يبيع بالربا ولا يغشُّ، ولا يمدح السلعة بما ليس فيها، ولا يكذب، ولا يستعمل الحلف من أجل تنفيذ سلعته، على غرار الكثير من الناس الذين يُنفّقون بما ذُكر سلعهم وينفذونها، فيقولون مثلا: إنَّ هذه سلعة جيِّدة ومخيَّرة، وقد أعجب بها كلّ من اشتراها .. ، ثم يعقب

ذلك حلف بالله، ويمين فاجرة .. كما سماها الرسول ح. وكذلك قال عنها: إنها «مَنْفَقَةٌ للسِّلْعَةِمَمْحَقَةٌ لِلْبَركَةِ»(2)؛فربما قد يعمل تاجر بجد ونشاط وينفذ السلعة بشطارةِ لسانه وذكائه، ولكنه لا يجد البركة تمامًا في عمله هذا، فإمَّا أن يُتلفه الله بعاهة، فيذهب الحلال والحرام معًا، وإما ألاَّ يُوفِّق الله صاحبه، فيخرج المال من الباب الذي دخل منه فيذهب في باب المعاصي في الخصام بالفجور ورشوة الحكام والظلم، وإمَّا أن يبتليه الله بالبخل، فيمسك عن إخراج أي شيء حتى حقَّ الله في الزكاة والصدقة وغيرهما، فيكون هذا المال وبالا عليه يوم القيامة وزاده الذي يهوي به في النار، وربما أيضا يغبن الغبن الكبير جدًّا، فيجد ورثته قد استفادوا من ماله فيما يدخلهم الجنة ـ كأن يحجَّ به أحدهم، أو يتصدَّق به ـ، بينما هو سيأخذ ثعبانا يلفّ عنقه ويذهب به إلى النار، فهذا الذي كسبه وهذا الذي تركه، لماذا؟ لأنه كاذب غشَّاش، حلاَّف (من كثرة الحلف) مُرابِي.

(1) ينظر: البغوي، شرح السنَّة، بلفظ: عنسلمانأنهقال: «التاجرُالصدوقُمعالسبعةفيظلِّعرش اللهيومالقيامة»، باب التوقيت في المسح، 2/ 355.

(2) ينظر: البخاري في صحيحه، باب السهولة والمسامحة في البيع، 1981، 2/ 735.

١٠٠ / ١٩٢