في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

الهجري بيتا سمَّوْه «الكْعِيبة» بالتصغير، في القطيف بمنطقة الدمَّام، ونقلوا إليه الحجر الأسود الذي قاموا بسرقته من بيت الله الحرام عُنوةً بالحرب والفتنة وسفك الدماء، وبقي عندهم عدَّة أعوام، وجعلوا يطوفون حوله ويحجّون إليه، مغفلين أنَّ الحجر الأسود لا ينفعهم تقديسُه وتقبيله، فهو خُلِق ليكون في الكعبة، والكعبة في البيت الحرام في مكَّة أمِّ القرى، ولم يُخلَق ليكون في مكان آخر. وبعد عدَّة سنوات قيَّض الله للمسلمين من تغلَّب عليهم، وأخذ الحجر وردَّه في مكانه حيث هو موجود إلى الآن وهُدم ذلك البيت المزعوم، وقد مرَّ على وقوع هذه الحادثة أكثر من ألف عام، وفرقةُ القرامطة انقرضت ولم يبقَ لها من ذكر إلاَّ في كتب التاريخ. فتلك بدعة في الدين، وأهلُها كفَّارٌ بعملهم هذا(1).

فشرْع الله لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، إذ لا يجوز لأيِّ بشر كان أن يخصَّ مكانًا أو زمانا بالتقديس أو العبادة في غير ما شرعه الله تعالى أو سنَّه رسوله الكريم، من قبرٍ أو ضريحٍ أو وليّ؛ حيًّا كان أو ميِّتًا فالعبادةُ لله والتشريع له ولرسوله؛ والرسول ح يبلِّغ عن الله، ولا يضع ولا يشرِّع شيئًا من عنده، بل كلٌّ من عند الله تعالى، ژ ? ? ? ? ? ? ? ? … ? ? ژ (النجم:04)، وإنَّما إذا تقرَّب الناس إلى الله بعبادة من جنس العبادة المشروعة فلا بأس بذلك؛ كالتقرُّب بصلاةٍ فيها قيام وركوع وسجودٍ وتلاوة القرآن، فالله تعالى قد فتح لنا أبواب الخير، فنتقرَّب إليه بالفرائض والسنن والنوافل إن رغبنا، ولكن شرط أن تكون تلك النوافل من جنس الفرائض، فلا نخالفها في هيئتها أو في عملها أو في قراءة أو في

تسبيح أو في استقبال، كأن يبتدع أحد فيقول: أصلِّي الفرائض والسنن إلى الكعبة وأصلي ركعتين نافلة إلى بيت المقدس مثلاً، فهذا باطلٌوحرام لا يجوز.

(1) ينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 11/ 252، وابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 04/ 90.

١٠٦ / ١٩٢