في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١

آيات كثيرة من القرآن تبين أنَّ من عصى رسول الله ح سيندم يوم القيامة، ومن أطاع رسول الله فقد أطاع الله، وأنه سيفوز، وإنّما هناك بعض أوامر يُراد بها الاستحباب، وهنالك قرائن تصرف عن الوجوب أو تصرف النهي إلى الكراهية، يعرفها العلماء وما على العامَّة إلاَّ أن يتَّبعوا أهل العلم وأهل الذكر.

«فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى»:

يعني أنَّ هؤلاء الناس من الأمَّة الذين يؤمنون ويتبعون النبي ح ولم يروه فإن الله يكتب لهم الدرجات العلى في الجنة، لأنَّ كل شيء في زمانهم يدعو إلى المخالفة ويدعو إلى المعصية ولكنهم مع ذلك أطاعوا الله وأطاعوا الرسول.

والدرجات في الجنة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا أكثر من تفاوت الناس في الدنيا، فنحن نرى من الناس من يسكن كوخًا من طين مسقَّف بالخشب، وإن نزل المطر قطَرَ عليه السقف، وإن اشتدَّ القرّ لسعَه البرد، وآخرُ يسكن قصورًا فيها غرف كثيرة، بعضها فوق بعض وحمامات ورخام وفُرُش وأثاث ومصابيح ومرافق مريحة، ونلمس الفرق الكبير جدًّا بين الأول والثاني، وقد أشار الله إلى

هذا في قوله: ژ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ ژژ (الإسراء:21)، فلم يقف في قوله: "على بعض" وإنما زاد "وللآخرة أكبر درجات"، من درجات الدنيا وأكبر تفضيلاً من تفضيل الدنيا. وأهل الجنة ينظر بعضهم إلى بعض كما ننظر نحن إلى النجوم في السماء، وهذا ليس في العلوّ فقط، وإنما بمميزات وفوارق كبيرة بين جنَّة وجنَّة، وكأنّك في مكان غير الذي كنت فيه في الأول، عالٍ وعظيم وجميل وفيه قرَّة الأعين مع الخلود الأبدي.

«إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ»:

١١ / ١٩٢