في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٥ننتقل من باب الأمَّة إلى باب الرؤيا: كلمةُ الرؤيا بالمدِّ؛ أي ما يراه النائم في نومه، من الرؤيا الحسنة، وليست أضغاثُ الأحلام، والرؤيا التي لها شأن هي التي يراها المسلم الصادق، وهي التي وردت فيها جملة الأحاديث عن النبي ح في هذا الباب.
نبدأ بالحديث الأوَّل هذا الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ح أنه إذا انصرف من صلاة الغداة، أي بعد أن يتمَّ صلاة الفجر، وبعد أن يسلّم، ويتمّ المصلّون ذكر الله تعالى، يلتفت نحو أصحابه يسألهم: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ويقول إنه ليس يبقى من بعدي من النبوَّة إلاَّ الرؤيا الصالحة»؛ لا يبقى بعدي من آثار النبوَّة إلاَّ الرؤيا الصالحة، وليس معنى ذلك أن النبوَّة تبقى متَّصلة بعد موت النبيءح لأنها ستنقطع
بعد النبيء وهو ما قاله في موضع آخر: «إنَّه لا نبيَّ بعدي ولا أمَّة بعدكم»(1) وقد قال الله تعالى: ژ ? ? ? ? ??ژ (الأحزاب:40).
إلاَّ أن هذه الرؤيا الصالحة فيها جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوة، وقيل من خمسة وأربعين، وقيل من سبعين، وليس معنى هذا أنَّ من له هذا الجزء من النبوَّة فهو نبيّ، فهذا الاعتقاد يؤدِّي إلى الكفر؛ لأنَّ من شأن النبوة التحقق اليقيني الثابت، وأمَّا الرؤى الصالحة فهي بشارات وظنون، ومنه فإنَّ النبوات قد انقضت وزالت بانقضاء الأنبياء، ولم يبق من أثرهم إلاَّ ما تركوه من سُنَنهم وحِكَمهم وعلمهم الذي ورَّثوه العلماء، فهذا قطعا يجب علينا اتباعُه وقد قال ح: «إنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله»(2).
(1) رواه الطبراني في مسند الشاميين: من حديث خطبة الوداع: 531.
(2) رواه البخاريّ، باب: قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، رقم: 6718، 06/ 2611، ومسلم، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم: 4852، 06/ 13.