في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٩

هذا الحديث الذي روي عن أنس بن مالك عن رسول الله ح، هو حديث متَّصل إلى النبي ح، حيث إنَّه يخبرنا فيه أنَّ الرؤيا الصالحة لا يراها إلاَّ الرجلُ الصالح ـ والمرأة الصالحة أيضا بالتغليب ـ وهي جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوءة، وقد جاءت رواياتٌ أخرى صحيحة أيضا بخمسة وأربعين وسبعة وأربعين وسبعين، وأدنى ما روي في هذا ستَّة وعشرون، إلاَّ أنَّ الرواية المشهورة هي التي تنصُّ على ستَّة وأربعين(1). وليس معنى هذا أنه جزءٌ من ستَّة وأربعين من النبي ح ولكنها توافق هذا الجزء في إصابتها للحق، لأنَّ النبوءة حقٌّ كلُّه وأما الرؤيا الصالحة فهي نسبةٌ من الحقيقة، أي إنَّ قيمتها إلى قيمة النبوءة هي

بقيمة جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوءة، فهي ليست بالنصف ولا بالثلث ولا بالربع.

وهي تفيد الظن ولا تفيد اليقين قطعًا، فمن المستحيل مثلاً أن يُنسخ حكم شرعي بمجرد رؤيا من أحد الصحابة بأن يرى الرسول ح يلقي إليه حكما شرعيا مخالفا لما هو مقرَّر، فيبدِّل الحرام حلالا أو الحلال حراما، فهذا مستحيل، لأنَّ الرؤى لا تفيد الأحكام الشرعية ولا تبطلها ولا تنسخها، فإن وافقت الشريعة فبها ونعمت وهي من الرحمان، وإن خالفتها فهي من الشيطان.

(1) ينظر: النووي، شرح صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، قوله كنت أرى الرؤيا 15/ 21. وعبد المحسن العباد، شرح سنن أبي داود، باب حكم الاعتماد على الرؤى 1/ 2.

١١٩ / ١٩٢