في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

ثم زاد ما هو أشد إزعاجًا حين قال: «وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ»، أي: إنَّ الإنسان لو أفتى في مسألة برأيه فهو دائمًا في سقوط، ولو أنه أصاب الحق؛ ووافق ما عند الله وما عند الرسول ح تمامًا، فلا نتعجَّب لماذا كلّ هذا وقد صادف الحق؟! فنقول: إنه وافق الحقَّ صُدفةً فقط ـ وهي رمية من غير رامٍ ـ، ولم يُوافقه قصدًا، فتهجّمُه على الفتوى بغير علمٍ تلك هي المعصية، حيث إنه تقحَّم شيئًا ليس من اختصاصه، فإن أصاب الحقَّ مرَّة فقد لا يُصيبه في أخرى.

إذا اجتهد العالم فله أجران:

بخلاف إن كان المفتي من أهل الاجتهاد حيث استعمل مفاتيح الاجتهاد واستوفى حفظ القرآن وكثيرًا من السنَّة، وألَمَّ بكثيرٍ من الفتاوى، وأتقن اللغة العربية والأصول، ثم اجتهد على مسألة لم يرِد فيها نصٌّ، وإنما بالقياس وبالاستحسان والاستدلال والاستنباط، فالله تعالى هنا يرفع عنه الإثم ولو كان مخطئًا، فإن أفتى وأصاب فله أجران؛ لأنه جاء من طريق الفتوى، وإذا كان أخطأ فله أجر اجتهاده، وهو معذور.

هكذا قال الرسول ح، فإذا أصاب فله أجرُ الاجتهاد وأجرُ الصواب، وإذا أخطأ وقد سلك الطريق الشرعية للفتوى وهو مجتهد حيث أفتى بالحرمة على شيء

هو حلال أو بالحلِّية على شيء وهو حرام فله أجر الاجتهاد، وهو معذور في الخطأ؛ لأنَّه لو لم يتم الاجتهاد فإنَّ كل العلماء المُفتين سيقفون عند القضايا الجديدة التي لم يرد فيها نصٌّ، فتتعطَّل المصالح، ولكن أَذِن الله لأهل العلم المفتين الموقِّعين عن ربِّ العالمين أن يعملوا جهودهم وأن يستنبطوا، ثمَّ بعد ذلك يفتون بما توصَّلوا إليه.

فلكل علم بابُه ومدخلُه، فلابدَّ لنا أن نأتي الأمور من أبوابها لا أن نتخطَّها ونقتحمها من دون مراعاة حدود.

ولا يزال هناك حديثٌ في الرؤيا يتَّصل بالمسيح سيدنا عيسى؛، وبالدجال، وهو حديث رُوي في مسند الربيع، ورُوي أمثاله في صحاح الحديث، سنراه في الدرس المقبل، والحمد لله رب العالمين.

}

١٢٩ / ١٩٢