في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٣فلا بدَّ من التصديق والإدراك العميق لحقيقة الإيمان، والتصديق بالله وبرسوله ح، وبجميع ما في كتابه، تصديقًا ويقينًا وشهادة، وتشهد بذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله». لا أن تقول: «أنطق أو أقوللا إله إلا الله»، بل تقول: «أشهد»، لأنَّ الشهادة لا تكون إلاَّ عن علم، وطبيعيٌّ إن حصل التصديق في القلب تنشأ عن ذلك الأعمال في الجوارح، سواء الأفعال أو الترك، فإذا صدّقت بأنَّ النار تحرق فمستحيل أن تقترب منها، وصدَّقت أنَّ الأفعى تلدغ وتقتل فمستحيل أن تمدّ
لها يدك دون حماية، وصدَّقت أنَّ الأسد يفترس فلا تذهب إليه، فنحن نرى في أمور دنيانا إن كان هنالك ما يضرّنا فلا نقترب منه أبدًا، بل ونهرب منه هروبا لا شعوريا إن داهمنا، وإن صدَّقنا بأي شيء ينفع فنحن نأخذه ونجمعه ونسلك أي سبيل للحصول عليه.
فأبسط ما في الأمر حين تذهب إلى طبيب فيكتب لك وصفة طبِّية لأدوية مرضك، ثم تتبع تلك الوصفة وأنت لا تعرف صدق هذا الطبيب ولا ثقته، بل إنَّه ربما قد يصف لك ما يؤدِّي إلى قتلك ولكنك تتبعه بلا ريب وكأنَّه نبيء، فيا ليت الأمر يكون نفسه حين نتبع أوامر الأنبياء كما نتبع أوامر الأطبَّاء، فنكون ملائكة في الأرض! ثم إنَّه حين نشتري الدواء ونتبع تعليمات الطبيب فإننا تناوله وإن كان مرًّا، فكلُّ هذا نتيجة ماذا؟ نتيجة التصديق.
أمَّا إن كان المرء يصدِّق بشيء ويعمل خلافه فهو يكذب على نفسه وعلى الله، فنقول أحيانا على لسان بعضنا: نعم نعلم أن هذا حلال وهذا حرام، ولكن «الله غالب»، ثم نأتي المحرمات ونترك الفرائض، ونقول إنًّ الله سيهدينا … فهل نحن مصدِّقون بالله ووعده، كلاَّ، إنَّ هذا ليس تصديقًا بل نفاقا. ولذلك جاءت هنا كلمة التصديق مبيِّنة لمحتوى الإيمان، وليست تكرارًا لمعناه فقط، فلا يعمل أعمال المؤمنين إلا المصدِّقون ژ ? ? ? ??ژ (الأنفال: 4).