في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥

ويوجد حديثٌ آخر فيه تفضيلٌ للذين يأتون من بعده، وهو الحديث الذي نحن بصدد شرحه: «خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي … »، فهؤلاء أيضا لهم فضل كبير وأجر أعظم. ويوجد في حديث آخر كلام عن الأمَّة عامَّة: «أمتي كالغيث لا يُدرَى أوَّلها خيرٌ أم آخرها»(1) أمتي كالمطر لا تدري أين تكون البركة في أوله ولا في وسطه ولا في آخره، فإن جاء مطر نافع ونزلت قطراته لمدة طويلة فإنّ هذا المطر كلّه بركات من الله من أول قطراته إلى آخرها، مثلما هو الحال بالنسبة لتعاقب الأمطار في ليل ونهار وفي الفصول المختلفة حيث تستفيد فيه الأرض بالمطر، فلا تدري أيها أبرك وأنفع للأرض من الأخرى.

الخير في أمَّة محمد كلّها:

والذي يهمّنا نحن هو الحديث الأخير، لأنه هو الذي يخصّنا، ولا نستطيع أن ندرك خير القرون حيث زمان عزة الإسلام وزمان الإمامة الرشيدة للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذي أقيمت فيه الأحكام وعلا الحق وزهق الباطل،

فطبعا هذا الزمان خير القرون، بدون شك ثم الذي يتبعه بقليل ثم الذي يلي من بعده بأقل، ولكن لو لم يرد هذا الحديث لقلنا إذن نحن لا خير فينا فنحن سنكون من الحثالة أم ماذا؟ نقول لا، فربنا كريم لم ينزل القرآن لينتفع به الذين رأوا الرسول ح فقط، أو الذين من بعده، فإذا كان كذلك فهل يرسل الله لنا نحن نبيا آخر؟ كلا فنحن بإذن الله تابعين لتلك الأجيال منتسبين إلى النبيء ح، نحن أمته والقرآن بين أيدينا والمحسن محسن والمسيء مسيء دائما في كل زمان ژ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ژ (التوبة: 120).

(1) ينظر: الرامهرمزي، أمثال الحديث، بلفظ: «إنما مثل أمّتى كمثل ماء أنزله الله من السماء لا يدرى البركة في أولها أو في آخرها» 1/ 105.

٥ / ١٩٢