في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٠

أنا سأقودُهم وأختارُهم وأشفعُ لهم وأقدُمُهم، وهذا شرفٌ عظيمٌ في الوضوء الذي هو ليس بشيء كبير ـ والحمد لله ـ بل هو شيءٌ بسيط، كلَّ ما في الأمر صعوبتُه في بعض الظروف القاسية كالبرد ـ رغم أنه يمكن توفير الماء الساخن ـ، أو في صحراء حيث الريح القوي، فما علينا إذ ذاك إلاَّبشيء من الصبر.

جزاء أهل البدع:

كلُّ ما قاله الرسول ح إلى هنا هو مبشِّر ومُفرِح، لكن آخره مُفزعٌ ومخيفٌ نوعا ما، حين قال: «ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ:(1) إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا».

يأتي أناس يقتربون من الحوض ويرونه لكنهم لا يشربون منه ولا يتذوَّقون ماءه أبدًا، بل يُطردون منه كما يُطرد البعير الضالّ، وهذا مثال مُقتبس ممَّا يفعله الراعي الذي يرعى الجمال فحين يرِدُ الحوض فإنه يفسح المجال لإبله لكي تشرب بينما يقوم

بضرب الإبل الأخرى الهائمة يضربها على وجهها من أنوفها وأفواهها لكي لا تشرب مع إبله، وكذلك الحال بالنسبة ليوم القيامة للذين لا يستحقّون الشرب من حوض النبيء، يأتيهم الزبانية فيضربونهم بعصيّ على وجوههم ويرُدّونهم على أعقابهم إلى حيث العذاب والشقاء في جهنم، والعياذ بالله.

الرسول ح يُشفق من هذا المنظر لأنه في مكانٍ جميل بديع فيدعو: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمّ؛ مرَّتين، تعالوا لتشربوا لماذا تُبعِدُونهم؟ وطبعا هذه الدعوة نابعة من خُلُقه وقلبه الذي طُبِع على الرحمة، وعلى الرأفة والشفقة، فهو يُبعث كما كان في الدنيا، ولكن الملائكة يجيبونه: إنَّهم قد بدَّلوا بعدك ولم يبقُوا على العهد الذي تركتهم عليه، بدَّلوا طريقك.

(1) * خ: لا.

٥٠ / ١٩٢