في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٥والذي ورد الإخبارُ به في هذين الحديثين أنَّه سيقع بعد زمن، فقد وقع لقريش، إذ سيكون لكم الملك ثم تبدِّلون فينزع الله عنكم الملك وينتقم منكم، إنَّها من معجزات النبوءة، حيث يخبر بشيء سيقع في المستقبل ثم يقع كما قال.
وفي ذلك موعظة وعبرة للمعتبرين، ولكل من تولَّى الملك أو الإمارة فعليه أن يعتبر بمن قبله؛ إن حكم بالعدل والقسمة وبالحكمة ولم يجُر ولم يطغَ ولم يتكبَّر، كانت له العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، كما تقدم في الملوك الأنبياء، سليمان وداود عليهما السلام، وسيدنا يوسف لما وُلِّي على خزائن مصر، فكانت عاقبتهم حسنة في الدنيا وفي الآخرة، والذي طغى وتكبَّر كفرعون وهامان وقارون والنمرود، وفراعنة كلِّ زمان ومكان، فعاقبتهم معلومةٌ ومعروفةٌ وإنَّما يحصل بهذا الاعتبار.
فما كان النبي حيتكلَّم عنه هو عن ولاية قريش من بعده، أي الرئاسة الدينيَّة والدنيويَّة، حيث تبقى الإمامةُ عندهم ماداموا عادلين غير مغيِّرين، وعندما يغيِّرون يغيِّرُ الله ما بهم.
شرح الحديث الأول:
«وَلَكِنَّ الْوَيْلَ لِمَنْ افْتَتَنَ بِالْمُلْكِ»:
والويلُ هو العذاب الأليم لمن أُعجب بملك الدنيا فطغى ولم يعدل، وأخذ المال من غير حقِّه وأنفقه في غير حلِّه وسفك الدماء الحرام، وربما وطِئ الفروج الحرام، فالويلُ والعاقبة السيّئة له في الدنيا وكذلك في الآخرة، فقد خُصِّص واد في جهنم لمن وُلّي أمراً ولم يعدل، ويسمى «الهَبْهَبْ»(1).
«مَا دَامَ فِيهِمْ رَجُلاَنِ ـ وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ»:
(1) ينظر، السيوطي، الدر المنثور، بلفظ: أخرجابنأبيشيبةعنأبيموسىعنالنبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «إنفيجهنمواديًايقالله: هبْهبْحقّعلىللهأن يُسكنهكلجبار» 5/ 14.