في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٦

نرجع إلى الرجلين الذين أشار إليهما الرسول ح بإصبعيه، وقال يبقى الحكم في قريش ما دام فيهم هذا الرجلان، فهل قصد بأنَّ المُلك سيبقى في قريش ولو بقي فيهم رجلين فقط؟ لا؛ ليس هذا، لأنَّ الأمر قد نُزع منهم وهم في كثرة يُعدُّون بالمئات والآلاف، لكن الذي قصده بالأمر هو أنّه مادام فيهم الرجلان المعيَّنان [على قيد الحياة]، ولكن من هذان الرجلان يا ترى .. ؟

تكلَّم أهل الحديث فيمن يكونان هذان الرجلان، ـ من دون أن يهمَّنا نحن بالضبط من يكونان زيدًا أم عمروًا ـ وثمة من ورد ذكرهما، ورجَّحهما في ذلك الشيخ السالمي فقال لعلهما: العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف(1)، فالعباس هو عمُّ النبي ح الذي عاش من بعده ح طويلا، مثل ما هو عبد الله بن عباس الذي عاش طويلا أيضًا، حيث شهد النبيءح وولاية أبي بكر وعمر وشطرًا من ولاية عثمان بن عفان، وكذلك عبد الرحمن بن عوف هو الآخر زهري قريشي، قال أكثر المحدثين بهذين الصحابيين.

وقصَد بالإشارة إلى هذين الرجلين، لأنَّه بموتهما ثارت الفتن، ووقع التبديل والتغيير، ـ وإنَّنا نكِل أمر هذه الفتن التي وقعت بين الصحابة إلى الله تبارك وتعالى وحده ـ، ثم انقلبت الخلافة بعد ثلاثين سنة، من بعد الخلفاء الراشدين إلى الملك، حيث سعى كلُّ واحد لأن يحوز الملك لنفسه ثم لأبنائه وإلى أبناء أبنائه من بعده، ويأخذ العهد لهم بذلك في حياته، وهكذا حتى أصبح الملكُ متوارثًا فيما بينهم، وهو الذي وقع في الدولة الأموية والدولة العباسية، حيث لم تعد الخلافة بيعةً لخيار المسلمين. ثم بعد العباسيين وقع الذي أنذر به النبي ح.

شرح الحديث الثاني:

«لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاَتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا»:

(1) نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/ 93.

٥٦ / ١٩٢