في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٧

يا معشر قريش أنتم الوُلاة بحقٍّ ما لم تُحدثوا، والإحداث نوعان: منه ما تحدثنا عنه سالفا في حديث: «من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى مُحدثًا .. »، والإحداثُ الثاني هو في الولاية.

الإحداث الأول: هو نقلُ الولاية من الإمامة إلى الخلافة التي تؤخذ بالبيعة الشرعيَّة إلى الملك الذي يؤخذ بالميراث، (ملكًا عضودًا)، إذ كان المسلمون من قبلُ عند وفاة الخليفة يجتمع أهل الرأي فيرون الأليق بهم فيبايعونه ويبايعه المسلمون بعد ذلك، وهذا هو الحكم الحقُّ، وهو الذي وقع في زمان الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي أئمة اليمن، وعُمان، والرستميين، ـ وإن كان الواحد منهم ابنًا للآخر ـ غير أنَّ المسلمين هم الذين قاموا بمبايعتهم، ـ وقد وقع هذا في بعض بلاد الإسلام ـ، ولكن بعد ذلك أصبحت الإمامة مُلكًا وراثيًا.

الإحداث الثاني: هو الجورُ في القسمة والأخذُ بالظنِّ والقتل وغير ذلك .. ، أي ما لم تحدثوا في ولايتكم شيئًا لم أترككم عليه، وهو الحكم بما أنزل الله: بالعدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وأخذ المال من حلِّه ووضعه في حقِّه، والتورُّع عن المحارم؛ وهذا هو الطريق الذي سار عليه الخلفاء الراشدون في حوالي ثلاثين عاما بعد النبي ح.

«فَإِذَا فَعَلْتُمْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَ خَلْقِهِ»: فإذا فعلتم ذلك بأن أحدثتم في الولاية حدثا وغيّرتم وبدّلتم فعندها يسلّط الله عليكم أشرار خلقه وأراذلهم، وقد وقع

هذا لما حمل التتار حملاتهم لغزو بلاد العرب وغيرها، ـ وهم أناسٌ ليسوا عربًا ـ وإنَّما هم من أقاصي الشرق من منغوليا والصين ونحو ذلك، فغاروا بقوة هائلة ونزعوا ما عند بني العباس من الولاية، وأفسدوا وقتلوا خلقًا كثيرا يُعدّون بمئاتِ الآلافِ، وبهذا نزع الله الحكم من أيديهم وصار في أيدي غيرهم، وهذا جزاء على الإحداث.

لماذا لا ينتقم الله من عباده بمجرد تبديلهم سننَه:

٥٧ / ١٩٢