في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٢لَمَّا أقبل الصحابي الجليل عبادة بن الصامت سحاجًّا من الشام إلى مكة ـ وكأنَّه كان مستقرًّا بالشام ـ زار المدينة المنوَّرة، ولا بدَّ حين يأتي من الشام يمرُّ من المدينة ذهابا وإيابا، لأنَّ المدينة في طريق الشام إلى مكة، ويوجد طريق آخر يمكن أن يمرَّ منه المسافر من دون الدخول إلى المدينة. وكان يومئذ الخليفة على المؤمنين عثمان بن عفان سالخليفة الثالث، فقصده عُبادة بن الصامت لينصحه، ولربَّما لظهور شيءٍ من المخالفات منه، وكان الصحابةييتناصحون ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، كما أمر بذلك الله تعالى؛ إذ لو رأى أحدُ الناس في أمره عوجًا لقام بنصحه وتوجيهه، ولا يكبر ذلك عليه، ولا يكبر ذلك أيضا على أمير المؤمنين أن يقبل نصيحة الناصحين، لأنَّهم جُبلوا على ما ربَّاهم عليه النبي ح من التواضع وقبول الحق
والتناصُح، ولذلك قصده فنصحه، بحديث سمعه من النبي ح وهو أفضل ما ينصحه به.
«سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَقْرَؤُونَ كَمَا تَقْرَؤُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ»:
وهذا من معجزات النبوءة ودلائلها، وهنا يقصد بالقراءة قراءة القرآن، ويخطبون خُطب الجمعة أو غيرها كما تخطبون وكما تقرؤون، ولكن يفعلون ما تنكرون أي يعملون من الأعمال ما تنكرونها، ولا ينكر المسلمون إلاَّ ما أنكره الله ورسولهح.
ثم قال: «فَلَيْسَ لأُوْلَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ»:
ليس لأولئك عليكم طاعة؛ أي لستم مُلزمين بطاعتهم وإنَّما تُلزمون بطاعة من أطاع الله ورسوله من الذين يقولون بالحق ويعملون ويحكمون، وبهذا الحديث عمل الصحابة وعمل الخلفاء الراشدون يجميعا، لكلٍّ واحد منهم موقفٌ في هذا الأمر وهذا الحديث.