في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٦

ثم عرَّفهم الكِبْرَ فقال: (الكِبْرُ هو: غمطُ الخلق وتسفيه الحقِّ)، وفي رواية: (غمصُ الحقِّ)(1). فالكبر فيه خصلتان أولاهما: تحقير الناس وينتج عن ذلك عدم قبول النصح منهم، إذن فهذا من ذاك، فلماذا لا يقبل المرء الحقَّ ممن هو دونه في المال أو السلطان أو الرأي؟ لأنّه احتقره فهذه هي المصيبة والكبر، أمَّا إذا كان المرء يقبل النصيحة من أي مستوى كان صغيرًا أو كبيرًا أو فقيرًا أو امرأة أو صبيًا، فإنَّه لا كبر في هذا، وهذا هو الميزان الواضح في هذا الأمر، وكان هذا من دأب الصحابة أنهم يتناصحون فيما بينهم.

ثم زاد سيدنا أبو بكر س: «إذا أحسنتُ فأعينونِي وإذا أخطأتُ فقوّموني»، فهنا طلب أبوبكر العون من الأمَّة بألاَّ يدعوه وحده، لكي يحكُم بأمرِ الله بمثل ما أمرَ

الله، ولا بدَّ للخليفة من البطانة الصالحة. أمَّا إن رأيتم منِّي اعوجاجًا عن الحق، فلا تُعينُوني على ذلك إنّما نبّهُوني إلى الحق. وكذلك يجب أن تكون الرعية مع أمرائها، ويجب أن يكون الأمراء مع الرعيَّة، بأن يتعاونوا على الخير، ويتناصحوا على الخطأ أو العمد بمختلف أنواع النصيحة وبطرق حكيمة مجدية، «إذا دخل الرفق في أمر زانه، وإذا دخل الخرق في شيء شانه»(2). فالنصيحة لا تكون بالعنف، والبشر تتغلب عليهم الغرائز والمشاعر وتعتَريهم نوازع وشوارد وهِنات، ولكن الناصح يجب أن يكون حكيمًا، والحكمة تُصلح أكثر مما تُفسد، والأخرق يُفسد أكثر مما يُصلِح.

(1) ينظر، ابن بطال، شرح صحيح البخاري، كتاب الأدب، 9/ 267.

(2) رواه أبو داود في سننه، بلفظ: «ياعائشةارفقي، فإنَّ الرفقلميكنفيشيءقَطّإلازانه، ولانزعمنشيءقَطّإلاَّشانه» رقم: 2478، 1/ 317.

٦٦ / ١٩٢