في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٧

وكذلك قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب س: «ما تقولون لو قلتُ برأسي هكذا، فقال قائلهم: لو قلتَ برأسك هكذا، لقلنا بسيوفنا هكذا، فسُرَّ سيِّدُنا عمر س، عنه لَمَّا وجد في رعيته من يراقبه» حتى ربَّما بأشد ما يمكن أن يقوَّم به؛ أي بالسيف، ولكن أين الناس من عدالة عمر، «ثم قال له قائلهم: اتَّق الله يا عمر فغضب عليه من حوله من الرعية، فقال سيدنا عمر س: لا، دعه يقُولها، فو الله ما فينا خير إن لم نقبلها، ولا خير فيهم إن لم يقولوها»(1)، أي لا تغضبوا عليه، دعوه يقولها لي، فهذه كلمة حق، لا أحد يعلو عليها، فإذا لم نقبل نحن هذه العبارة فإنَّ الناس يقولون لنا: لا خير فيكم، وكذلك هم إذا لم يقولوا لنا هذه العبارة، فإنَّه لا خير فيهم، ذلك أنَّهم يسايروننا ويداهنونا بسكوتهم.

فهي كلمة حقٍّ تقال للأمير والمأمور، وتقال للعظيم وللحقير، وتقال من الصغير والكبير، فعبارة «اتَّق الله» ليست من الخطأ في شيء، وليست شتماً ولا سبًّا ولا اتهامًا إذا قلتها لأحد، ومن الناس يرُدّ على القائل له اتق الله، بقوله: إنَّك تتّهمني بأنّي لا أخاف الله. فعندما يقول لك أحد: اتَّق الله، فهل يعني أنَّك لم تتق الله فعلاً؟ كلاَّ، إنَّما ذاك الذي يقولها لك، لأجل أن تعرض نفسك على الميزان، فإذا كنت مُتَّقيا الله فعلاً فزد في تقاك، وإذا لم تكن تتّقه، فعليك أن تتَّقيه بحقّ.

فالتقوى غاية الغايات، مهما وصل أحدٌ إلى أعلى قمة الأعمال الصالحة، والاستقامة السليمة فإنَّ ثمّة درجات أعلى في التقوى لم يبلغها، وقد فاقه فيها من هو خير منه، من النبيئين والصدِّيقين والشهداء والصالحين.

(1) ينظر: السيوطي، جامع الأحاديث بلفظ: «أنَّرجلاقاللعمراتقالله، فقالعمرومافيناخيرإنلميُقَللنا، ومافيهمخيرإنلميقولوالنا» رقم: 28377، 25/ 464.

٦٧ / ١٩٢