في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٨

وفي حقيقة الأمر إذا كان الأمير يعصي الله فإنَّه لا محالة سيظهر في الرعية فسادٌ كبير وعتوٌّ في الأرض، وهذا الذي ينصُّ عليه قول رسول الله ح: «كما تكونوا يولَّى عليكم»(1) أي كيفما تكونوا أيَّها الرعية يكون أمراؤكم، فلا تطمعوا إذا كان فيكم فسَّاق وعصاة ومجاهرين بالمعاصي أن يكون أميركم عمرَ بن الخطاب أو أحدًا مثله.

فعمر بن الخطاب كان بين أصحاب رسول الله حوتابعيه وأمته، ولو جاءنا في هذا الوقت ليكون أميرنا نرفضه ولا نقبله ـ لا نقصد بهذا الكلام أنفسنا نحن كمسلمين ـ بل أكثر الناس في هذا الوقت، فإنَّهم يرفضونه ويمنعوه لأنَّهم لا يطيقون ما سيأتي به، [ولربما قصد بذلك أي حاكم أتى بما أتى به عمر]، فالأمير عادة يكون مثل الرعية، وفي مستواها، لأنَّه ينتخب منهم ومن وسطهم، فهو واحد منهم، فإذا كانت الرعية

صالحة فالأمير أو الولي يكون صالحا عادة، وإذا كانت الأمَّة فاسدة يكون الأمير كذلك فاسدًا، لأنه ما هو إلا واحد منهم وليس ملَكاً نزل من السماء.

قد يجعل الله من جور الأمير عقوبة للأمَّة على معاصيها في بعض الأحيان إن شاء، فيكون الحاكم جائرا على الناس الذين يعصونه، فإذا لم نستطع نحن أن نصلح أمراءنا فلنصلح أنفسنا، ونبُثَّ الصلاح في أوساطنا؛ في أبنائنا وبناتنا وفي مجتمعنا، فنصبح على مستوى من التقوى والورع والصلاح لكي يسخِّر الله تعالى لنا أميرًا صالحًا جزاءً لصلاحنا.

وإذا كان العكس ـ والعياذ بالله ـ ظلم بعضنا بعضا وتفرَّقنا، وخرجنا عن طاعة الله ورسوله، وسلَّط الله علينا المعاصي والكبائر، فهنالك ـ لا محالة ـ سيعاقبنا الله بأمير جائر، وهذا كله من المعاني التي يدل عليها قوله ح: «كما تكونوا يُولَّى عليكم».

(1) ينظر: السيوطي، الجامع الصغير، رقم: 6406، 3/ 293.

٦٨ / ١٩٢