في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٢

في ذلك اليوم تدنو الشمس من الرؤوس، كما روي أنَّ الشمس تستقر في كبد السماء في يوم طويل جدًّا فالشمس لا تشرق ولا تغرب، كما يتمنَّى كلُّ أحد أن تغيب، فالشمس تثبت في مكانٍ واحدٍ دانيةً من الرؤوس بحيث لا يستطيع ولا يقوى أحدٌ على حرِّها يومئذ، فمن كان تحت تلك الشمس فهو في عذاب شديد لا يستطيع أن يهرب، وإنَّ مُخّه يغلي غليانا من شدَّة حرِّها، ولن يتسنَّى حينها لأحد أن يرى ظلاً ولو على مسافة مائة متر أو ألف متر فيذهب ليستظل به، فليست أحكام تلك الدار كأحكام هذه الدنيا، حيث يمكن للشخص إذا رأى الظل قريبًا أو بعيدًا وهو في الحرِّ الشديد فإنه يأوي إليه مسرعًا.

ونحن نرى في الدنيا بعضًا من مواقف فيها قليل من الشبه بذلك الموقف العظيم في الآخرة، في أماكن مزدحمة كمِنَى في أيام الحجِّ، حين يكون الواحد منَّا وسط العدد الغفير من الحجاج لا يستطيع أن يمشي يمينًا ولا شمالاً، فكيف بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأوَّلين والآخرين ژ ? ? … ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الواقعة:50) ژ ? ? ? ں ں ? ? ?? ? ? … ہ ہ ہ ہ ھ ھژ (هود:103)، يجتمع الإنس والجنُّ وحتَّى الوحوش والحيوانات ـ كما روي في بعض الروايات ـ، ثم تصير تلك

الحيوانات ترابًا، ويبقى الإنس والجن ينتظرون الحساب الذي يفضي بهم إلى الثواب أو إلى العقاب.

ففي ذلك الجمع الكبير فإنَّ كلَّ واحد يبقى في مكانه لا يستطيع أن ينحاز عنه يمينًا أو شمالا ولو بقدر شبر، أو أقل من ذلك، ولأجل هذا فإن من وجد نفسه تحت الظل فهو السعيد، - نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ في ذلك اليوم المشهود، مع الذين لا خوفٌ عليهم ولا هو يحزنون؛ لا خوفٌ عليهم من العقاب، ولا حزن عليهم في الوقوع فيه ولا على توقّعه أبدًا، وإنَّما هم في راحة بال وفي بردٍ ونعيم، رَوْحٌ وريحان وجنَّة نعيم.

٨٢ / ١٩٢