في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٦

ثم قال: «إنَّما أنت سوقٌ، فما نَفِذ عندك حُمل إليك» أنت أيها الأمير كمثل سوقٍ فما نفذَ عندك يجلبه الناس والبائعون إليك من جميع الأمكنة، فهذا طبيعي، فغلةٌ كالتمر مثلا، في مثل الموسم الذي نحن فيه، حيث إنه بمجرد سماع الناس بأنّها صارت سلعة مطلوبة في أحد الأسواق، ـ خاصة وأنَّ الناس تنتابهم الحيرة في حال نفاذ التمر ـ فإنَّنا نجد الجميع يهرع إلى ذلك السوق بكل وسائل النقل بالسيارات أو بالإبل أو بالحمير أو غيرها وبأي كيفية لإيصال البضاعة إلى ذلك السوق، لأنَّ سلعة كذا أو كذا قد نفذت فيه، خاصَّة إذا كانت تلك السلعة بائرة. وكذلك أنت أيها الأمير فإذا نفذت عندك الديانة، جاءتك من مجالس الذكر ومجالس الحكمة ومجالس العلماء والعقلاء والحكماء والكتب والتأليف والخير .. في عهدك.

وأمَّا إذا كان مجلسك من مجالس الفسق والخمر والقيان والرقص .. فسوف تكثر في الناس هذه الأشياء ويأتونك بأنواع الفسق من هنا وهناك بمثل ما تطلبه،

فحينها يكثر في عهدك الفجور، وكما يقولون: «الناس على دين ملوكهم»(1)؛ فالناس يكونون على حسب رغبة أمرائهم، فإذا كان الأمير صالحا يطلب العلم والفقه تكثر هذه الأشياء، في مجلسه وفي كامل مملكته من أقصاها إلى أقصاها، وأمَّا إذا كان على النقيض فهو كذلك. ولذلك كان للإمام العادل الأثر العظيم ـ مقارنة بالخصال التي تليها ـ، ولذا بُدئ به في هذا الحديث.

الإمامُ العادلُ هو ظلُّ الله في أرضه:

وسُمِّي الإمامُ العادل أيضا «ظِلُّ الله في أرضه» وليس المقصود بالظل ظلُّ الله الحقيقي، وإنَّما تمثيله خلافة الله في الأرض أحسن خلافة وأحسن تمثيل، بإقامة الحدود، والعدل في الرعية والقسمة بالسوية، حيث إنَّه يكون بهذا بمثل ظل الله في أرضه وخليفته فيها، ولأجل ذلك كان أوَّل من يكون تحت ظل الله يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلّه.

(1) ينظر: ابن حجر، فتح الباري، الجزء 07، 21/ 225.

٨٦ / ١٩٢