في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٨كلنا نعرف الحكمة التي تقول: «من شبَّ على شيء شاب عليه»؛ فمن نشأ على حالةٍ معيَّنة في صغره فسيستمرّ عليها في كبره، فمن كان شبابه في عبادة الله، فإنَّه يمضي على ذلك في كبره لا محالة، ولا يُظن بأنه سيتحوَّل عمَّا نشأ عليه، لأنَّ شهواته ونوازعه تكون قد ضعفت ولا يمكنه أن يعود إلى المعاصي. ولكن النقيض هو ممكن، لأنَّ الشيطان قد يغرّه ويغويه، ثم يعود بعد ذلك ويتوب وهذا ممكن حدوثه، وأمَّا إذا نشأ في عبادة الله ثم يرجع القهقرى بعد أن يكبر فهذا نادرٌ، ولا نقول لا يقع ذلك، ولكن نعوذ بالله من سوابق الشَّقاء. إذن فمن نشأ من عهد شبابه في عبادة الله، فهو في ظل عرش الرحمان يوم لا ظل إلاَّ ظله، وهذا مهمٌّ جدًّا.
فإذا أتينا لترتيب هذا الحديث من حيث خصاله فلا نستطيع أن نرتِّبه بترتيب أحسن مما هو عليه، فالشبابُ هم رأس الأمَّة، وهم رأسمال المسلمين، فإذا نشأوا صالحين فما أسعد تلك الأمَّة كلها، ولا يكون الأئمة والولاة إلاَّ من أولئك الشباب، فإذا نشأ شبابُ الأمَّة في عبادة الله صلحت ولاية تلك الأمَّة، وقام الجميع لانتخاب الأصلح الذي يخرج من بينهم، فالناس يختارون رجلا صالحا وأمينا لا تُخشى منه الخيانة، لأنهم صالحون أمناء ونزهاء، لذلك كان الشاب الناشئ في عبادة الله في الدرجة الثانية في هذا الحديث، ونستطيع أن نقول إنَّه هو الأصل، فالأئمة العدول هم الشبابُ الصالحون الذين نشأوا في عبادة الله وتقواه.