في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩

فنحن في زمان إذا اتبع فيه أحدنا طريق الله تماما واجتنب المعاصي فإنه لا يقوم بذلك إلاّ خوفا من الله فحسب، فلو أنه ارتكب معصية بأن اشترى زجاجة خمر أو باعها أو شربها فلا أحد يحاسبه أو يعاقبه، فمن أطاع في هذا الوقت فقد أطاع حقيقةً لوجه الله، ومن ترك معصية فقد تركها مخافةً من الله وعذابه وجحيمه، لأنَّ الناس لا يقدّمون له شيئا ولا يؤخرون، ومن زكَّى ماله فقد قدَّم زكاته حقًّا لوجه الله لأنَّجباة الزكاة لن يأتوه فيحاسبوه على عدم إخراجها فيأخذونها منه بالقوة أو يقاتلوه، وإن لم يدفع زكاته لعدة سنين فإنه ليس ثمة من يرشده إلا بعض المواعظ والنصائح التي قد تقال له من بعض المسلمين.

فبهذا الاعتبار إذن فمن اتَّبع طريق الله واتَّبع نبيه محمدا ح وأحبَّه واتَّبع سنَّته وجاء بما أمر به وترك ما نهى عنه، فهذا له المقام العظيم عند الله تعالى لأنه قام بها جميعا ابتغاء لوجه الله وخوفا من سخطه وعذابه ورجاء في رضا الله ورحمته وثوابه، فلا تعارض بين الحديثين: «خير القرون قرني» و «خير أمتي قوم يأتون بعدي» فالذين آمنوا به ولم يروه آمنوا بالغيب مرتين، آمنوا بما أخبر به الرسول ح من الغيب من أمور يوم القيامة وملائكة الله وكتبه ورسله الذين مضوا، وما يأتي يوم القيامة وبعد الموت، وآمنوا أيضا بالمُخبِر الذي لم يروه فآمنوا بالمخبَر عنه وبالمخبِر، إذن فقد آمنوا بالغيب مرتين، فإن كان الإيمان بالغيب فضيلة عند الله تعالى وشرف وقربة فهؤلاء يؤمنون بالغيب مرتين.

«يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي»:

ولكن يجب أن ننتبه دائما إلى كلمة "يؤمنون بي" التي قرنت بكلمة: "ويعملون بأمري"، فلم يقل: يؤمنون بي ولم يروني، فتقول: يا رسول الله آمنا بك وأحببناك وصلّينا عليك وتغنَّينا بمدحك، فقد انتهى كلّ شيء، نعم قد يؤمنون لكن لا بد من العمل.

٩ / ١٩٢