في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٥

إن هذه الخصلة «التجاوز عن المعسر» من طبائع السخاء التي تنطبع بها بعض النفوس، وليس السخاءُ فقط أن تأتي بالصدقة فتعطيَها لشخصٍ، ولكن السخاء فيه صفات كثيرة، من مثل ذلك: السماحة في البيع والسماحة في الشراء، والسماحة في القضاء والسماحة في الاقتضاء، والحديث يقول: «المؤمن سَمْحٌ إذا باع، سَمْحٌ إذا اشترى، سَمْحٌ إذا قضى، سَمْحٌ إذا اقتضى»(1) لا إشكال في ذلك أبدًا، فالعبدُ المؤمن إذا اشتريت منه يبيع لك بيعًا سمحًا، وإذا اشترى منك يشتري شراء سمحًا، بل وإنك تحصِّل معه بعض الفائدة، وإذا أسلفك شيئا فإنه يطالبك مطالبةً هيِّنة ليِّنة، ولا يطالبك المطالبة المُلحَّة الشديدة، وإذا هو استلف منك شيئا

فإنه لا يماطلك ولا يُعنِتُك في ردِّه إليك في وقت القضاء. وهذا الذي يدلّ على سماحة النفس وسخائها وزُهدها ورجاء ما عند الله يوم القيامة.

إذن من أنواع السخاء، عدم التشدُّد في طلب قضاء الدين في وقته، مع من هو معسر، ژ ? ? ? ? … ? ? … ??ژ (البقرة:280).كما يمكن للدائن أن يُنظر المعسر بتقسيط ما عليه من دين إلى الثلث أو الربع أو أقلَّ أو أكثر من ذلك، أو أن يقبض الحاضرَ ويعفوَ عما بقي، ويضعه عنه، ففي هذا الخير كله، فالدائن لا ينقص من ماله شيءٌ بفضل الله، وهو سيمنّ عليه ويرزقه ويخلف عليه، لأنه قد فتح للمُعسر بابًا حسنًا، ورفع عنه همَّ الدّين الذي هو صعبٌ جدا في الحال التي لا يستطيع فيها قضاءه، والخيرُ الأعظم يوم القيامة حيث سيكون في ظلِّ الله يوم لا ظلّ إلاَّ ظلّه، ولربما قد ينسى الدائن الدين والأجل الذي يحدده للمدين، فيعفو عنه وينظره إلى أجل آخر، ففي هذا الخير كله، فيعتبر هذا النسيان هنا فيه خير وإحسان.

(1) رواه البخاري في صحيحه، بابا السُّهُولَةِوَالسَّمَاحَةِفِيالشِّرَاءِوَالْبَيْعِ بلفظ: «رَحِمَاللَّهُرَجُلًاسَمْحًاإِذَابَاعَوَإِذَااشْتَرَىوَإِذَااقْتَضَى»، رقم: 2076، 3/ 57.

٩٥ / ١٩٢