في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٥76) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: «شَعَفَ الْجِبَالِ»: رُؤُوسَهَا(1).
شرح الحديث:
هذا الحديث ورد في موضوع الفرار من الفتنة حتَّى لا يفتنن المسلم في دينه، فيختلط عليه الحقُّ فيكون من المبتلين، فيركن إلى الذين ظلموا فتمسّهم النار، نسأل الله تعالى أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
«يُوشِكُ» يقرب أن يكون زمانٌ يكون فيه خيرُ مال المسلم قطيعٌ من غنم، يهرب بها إلى رؤوس الجبال، أو بِرك الماء المتكوِّنة من المطر، فيرعى هنالك غنمه فرارًا بدينه من الفتنة، وفي رواية "من الفتن " ويبدو أنَّ هذا الزمن قد وصل، وهو الذي نحن فيه، لأنَّ العواصم الكبرى التي تكثر فيها الفتن من الشرق والغرب، مثل أوربا الشرقية وأوربا الغربية، وآسيا الشيوعية، ومثل ذلك من الأفكار المتلاطمة الملحدة، أو التحلُّل من الدين أو من الأديان كلها، وهذا منتشر موجود، فإذا كان المرء وسط تلك الفتن
فيخاف عليه من الافتتان به، إن لم يكن له رصيد قوي من الإيمان والذي تكوّن في أماكن بعيدة عن هذه الفتن، فإذا دخل في خضمّ هذه البحار الهوجاء نجا واستطاع الخروج منها بسلامٍ، لماذا؟ لأنَّه قد تحصَّن إيمانه من قبل، وربَّته أمهاتٌ مؤمنات مسلمات قانتات، فغرسن الدين في قلبه وسقينَه بماء القرآن والسنَّة وسير الصالحين، فمثل هؤلاء لا يُخاف عليهم الوقوع في مثل هذه الفتن في الغالب، وإنما يكون رجاء عدم وقوعهم فيها أقرب من الخوف.
(1) أخرجه البخاري، باب التعرب في الفتنة، رقم: 7088، مسلم، كتاب الفتن: 50.