في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

ولا طريق للنجاة أحسن من الطريق الوارد في الحديث، «أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ» إذ ينجو بغنمه إلى رؤوس الجبال والصحاري، بعيدا عن الفتنة، ويمكن أن نشبِّه في هذا الأطراف النائية البعيدة مقارنة بالعواصم التي غالبا ما تتركز فيها الفتن، في البلاد التي تختلط بالأفكار الخارجة عن الإسلام وأخلاقه وتقاليده، أمَّا في المناطق النائية وفي الصحاري فإنها عادة ما تكون في مأمن من ذلك.

الفرار إلى وارجلان ووادي ميزاب كان هروبًا بالدين من الفتنة:

ومثلما هو عليه حالنا نحن الآن، وهو ما راعاه أجدادنا - رحمهم الله ـ عند هروبهم من الشمال إلى هذه البقاع النائية فرارًا بدينهم من الفتن، فلولا ما قاساه أجدادُنا في حفر الآبار، وبناء السدود واستصلاح الأراضي، لما عمرت ـ بإذن الله ـ إلى يوم القيامة، لأنَّه لم تكن هنالك عيونٌ تجري على وجه الأرض، وإنَّما حفروا آبارا إلى عمق خمسين أو ستين ذراعا، علَّهم يحصلون على كميات من الماء، فكانت هذه المشقَّة الكبيرة لأجل الفرار بدينهم من الفتن.

وفعلاً بقي هذا الدين محفوظًا ألف عام، وإنما بتفاوت في الأزمنة ابتداء من مدينة «العطف» التي عُمِّرت في أوائل القرن الخامس الهجري سنة 402، ونحن الآن في سنة 1402هـ أي ألف عام، ثم عُمِّرت بعدها القرى الأخرى الواحدة تلو الأخرى، وهذا كله ليس إعجابا بالمنطقة أو بخيراتها، أو لكنوز الحياة الدنيا وزخارفها، فلم يكن في هذه المنطقة أي شيء، بل إنَّ جلَّ ما كان فيها ندرة الماء، والبرد الشديد في الشتاء، والحر الشديد في الصيف، والعواصف الهوجاء، والعقارب والأفاعي القاتلة.

١٠٦ / ٢٣٢