في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٧وهنالك من علَّله تعليلاً آخر على أنَّ هذه الأجحرة هي مساكن الحشرات المضرَّة، سواء أكان جحر ثعبان أو جربوع أو جرذ أو غير ذلك، فإذا بال فيها أحدٌ فإنَّها ستخرج وتؤذيه بلا شك، وإن لم تؤذه مباشرة فإنها ستفزعه فزعًا شديدًا قد يحصل جرَّاءه تنجّس ثيابه، وهذا التعليل الثاني معقول جدًّا، ويبقى الأمر مجرَّد تعليل من لدنَّا فقط، وأمَّا النهي فقد جاء من الرسول ح، وهو نهيٌ عامٌّ ومحكم من دول تعليل، وربما أيضا يمكن أن نحتمل في التعليل المعنيان معًا بأنَّ هذه الأجحرة قد تكون في بعضها مساكن للحشرات وفي بعضها الآخر مساكن للجن. وفي معنى آخر في الأشياء التي لا تظهر جن.
وفي هذا المعنى قيل إنَّ أحد أمراء بني أميَّة في الحجاز، جاءه أعرابيٌّ يشكو ظُلامة من أحد ولاته، إذ أخذ منه غنمه لمَّا أخطأت طريقها ودخلت إلى أرضه، فقال:
أمرتَ مَن كانَ مظلُومًا ليأتِينَّكم فقد أتَاكُم غَريبُ الدَّارِ مَظْلُومَا
فقال له اذهب أيَّها الأعرابي لا أظنُّك تحسن حتَّى كيف تُحْدِث، أي أنه احتقره وازدراه، فقال له: «بلى إني لأحسنها، وإني بها لحاذق، إني لأستدبر الريح وأستقبل الشيح، وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النَّعام»(1)، أي أنه إذا حضرته الحاجة يجعل الريح إلى ظهره، ويستقبل الشيح الذي هو نبات متوسط الحجم يتَّخذ للسترة عن الناس، والأفضل للإنسان ألاَّ يقضي حاجته فوقها مباشرة لئلا ينجِّسها؛ وإنما يبتعد عنها قليلا، سواء أكانت نبتة الشيح أو أي شجرة أخرى، المهم ألاَّ تكون مثمرة حتَّى لا تحلَّ عليه اللعنة، كما ورد في حديث آخر، وقال: إنَّه يجلس كما يجلس الظبي الذي يشبه
الغزال، ومعروف عنه أنه يقترب إلى الأرض عند قضاء حاجته، لا كما يفعل بعض الناس حين يقضي حاجته واقفًا، وأجفل إجفال النعام؛ أي أذهب بعيدًا عن أنظار الناس كما تفعل النعام.
(1) أخرجه أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، 1/ 131.