في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

فقوله ح: «لا صلاة لمن لا وضوء له» حكمٌ خطيرٌ، فليحذر الذي يتهاون في التوضُّؤ، أو هو لا يتوضَّأ أبداً، إذ يقوم من نومه متكاسلاً، فيضرب يديه في التراب، ويقول «بحرٌ من ماءٍ وبحرٌ من تراب»!، وكأنَّ الله تعالى قد سوَّى بينهما، وهو الذي قال: ژ???چچچژ (المائدة: 06) فلا يلتجئُ المسلم إلى التيمُّم بالتراب إلاَّ إن لم يجد الماء، أو كان به مرضٌ يمنعه من الوضوء، أو خاف أن يطول شِّفاؤه منه، أو أن يزداد ضرره بسبب ذلك الماء، وإلاَّ فلا عذر. وكذلك لمن لم يجد الماء فعليه أن يجتهد في البحث عن الماء قبل اللُّجوء إلى التيمُّم، فعلى الذي لم يجد الماء وهو في منطقة عمرانية أن يَجِدَّ في البحث عنه عند جيرانه، أمَّا إن كان في الخلاء وفي سفر فذلك شأن آخر.

وكذلك «لا صلاة لمن لا وضوء له»؛ للذين يصلُّون بغير وضوء وهم يحسبون أنَّهم متوضِّئون، إذا انتقض وضوؤهم ببعض نواقض يجهلونها ظنًّا منهم أنَّ الوضوء لا ينقضه

إلاَّ البول أو الغائط أو النَّجاسات أو الريح، وغفلوا عن الغيبة والنَّميمة أنَّها تنقض الوضوء، فيلجؤون إلى التكلُّم في أعراض النَّاس والتجسُّس والكذب عليهم وكذا نظر الشهوة إلى العورات، فهذا كلُّه ممَّا ينقضُ الوضوء، فمثل هؤلاء لا صلاة لهم لأنَّهم لم يُجدِّدوا وضوءهم بعد انتقاضه، فيسبغ الوضوء في العصر مثلاً ولا يُجدِّده في المغرب ظانًّا أنَّه لم ينتقض وضوؤُه، وقد خاض في أعراض الناس في تلك الأمسية وهو في غفلة، فلنحذر جيٍّداً، لأنَّه ورد في الحديث الصحيح: «لاَ يَقبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ»(1). فعلينا أن نحذر جيِّداً ونتبيَّن صحَّة وضوئِنا وعدم انتقاضه قبل كلِّ صلاة حتَّى تكون صلاتُنا صحيحةً.

(1) أخرجه البخاري، باب: الصلاة، رقم: 6440، 21/ 288. ورواه مسلم بلفظ قريب، باب: وجوب الطهارة للصلاة، رقم: 330، 2/ 6.

١٥٥ / ٢٣٢