في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٧«ولا صومَ إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله»: وهنالك حديثٌ آخر: «وَلاَ صَلاَةَ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لاَ صَوْمَ لَه»(1)، وإن كانت لم تُروَ في هذا الحديث وإنَّما ورد هنا: «ولا صوم إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله»، فإن ردَّ المسلم عينيه عن النَّظر المحرَّم قدر المستطاع، وردَّ الأذنين عن السماع المحرَّم والكلام القبيح والنّميمة والغيبة، لأنَّ المستمع شريك المتكلِّم، وردَّ يديه ورجليه عن الأعمال المحرَّمة كذلك، وكلَّ الجوارح عن المحرَّمات، فإنه بهذا يكون صائما صومًا حقيقيًا، عمَّا أحلَّ الله وحرَّمه في وقت الصَّوم، وصام عمَّا حرَّمه الله في وقت الصوم وغير الصوم، فلا يكوننَّ صائمًا عمَّا أحلَّه الله مُفطرا بما حرَّمه الله، كتلكما المرأتين اللَّتين ذهبتا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُرخِّص لهما بالإفطار في آخر اليوم بعد أن غُلبتا بالجوع والعطش، فقدَّم لكلِّ واحدة منهما قِدحا فأمرهما أن تقِيآ في ذلك القدحين فقاءتا بإذن الله تعالى لحمًا ودماً، فقال للصحابة رضي الله عنهم: انظروا إلى هاتين المرأتين «صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّهُ اللهُ وَأَفْطَرَتا بِمَا حَرَّمَ اللهُ»(2)،
(1) ينظر: اطفيش، هميان الزاد، 1/ 64، و 2/ 198، أبي ستة، حاشية الترتيب، 1/ 109 و 2/ 53، من أحكام الصوم لفرحات الجعبري 1/ 15.
(2) أخرجه ابن أبي الشيبة في المسند، بلفظ: «عن سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا وَقَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «ائْتُونِي بِهِمَا» فَجَاءَتَا، فَدَعَا بِطَسْتٍ أَوْ قَدَحٍ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا: «قَيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى مَلَأَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: «قَيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ» رقم: 662، 2/ 177. وأخرجه أحمد من حديث عبيد مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 23653، 39/ 60. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت، باب الغيبة وذمها، رقم: 171، 1/ 122.