في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧

أثقلته، فإذا كنت أيها الغافل غريقًا، ثم استنجدت بالناس بدل الله، فأنت تستنجد بغريق مثلك، فحتما ستغرق ويغرق معك شريكُك، وتغرقون جميعا. إذا فاستفق يا غافل إن كنت تتَّخذ الناس قبلةً في أعمالك الصالحة فأنت مخطئٌ جدًّا، لأنَّ أولئك الناس لن يأتوك بخير أو يردُّوا عنك ضرًّا، هذا يوم القيامة، وكذلك في الدنيا إذ يظهر لنا نفع الإنسان لأخيه جليًّا، غير أنه لن ينفعك أحدٌ أو يضرك إلاَّ بإذن الله.

إنَّ مراقبة الإخلاص ليس مجرَّد عمل في مدَّة قصيرة فقط، إنما هو عملٌ دائم، ما دامت الدنيا، حيث ينبغي على الإنسان تحرِّي الإخلاص لأنَّ الشيطان له بالمرصاد، في كلِّ حين يلقي في قلبه الوسائس، ويحاول خداعه كأن يقول له: اجهر في صلاتك وزيِّنها حتى يسمعك الناس، أو قل لهم أنك تصلِّي وتصوم وتتصدَّق، أو استعمل إشارةً توحي إلى علم غيرك بأنَّك قد أدَّيت مناسك الحجِّ، وإلى غيرها من الوساوس، فعلى المسلم أن يقاومها مادام حيًّا.

وبالمقابل لا ينبغي أن نشكَّ في نوايا الناس، فنعتقد فيمن يخبر قائلا: إني أتيت بكذا من الحجِّ، أو التقيتُ فلانًا في الحجِّ، أو غير ذلك .. بأنه يرائي الناس، فقد يكون إخباره ليس به قصدٌ للعباد، وإنما نيَّته خالصة لله، ولا ينتظر من أحد الشكر أو الثناء، ولهذا فإنَّ النوايا لا يعلمها إلاَّ الله تعالى.

جواز الجهر بالصدقة لإذكاء روح المنافسة:

حين قال الله تعالى لنا في الصدقات ژ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ژ (البقرة: 271) أي يمكن أن نتصدَّق جهرًا أمام الناس، كالتبرع لمسجد أو مدرسة أو أي مشروع خيري، فالجهر بتلك الصدقات لا يُقصد به انتظار الشكر من الناس وإنما يقصد به إذكاء روح المنافسة بين الأغنياء للتبرُّع أكثر، وليقتدي الناس كلُّهم، فهذا الذي يبدي الصدقة

١٧ / ٢٣٢